الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ٤١٩
و ترى سيوف الدار عين كأنّها # خلج تمد بها اكف بحار
من كل من جعل الظبى انصاره # و كرمن فاستغنى عن الانصار
و اذا هو اعتقل القناة حسبتها # صلا تابطه هزبر ضاري
يزداد هما كلما ازددنا غنى # و الفقر كل الفقر في الاكثار
اني لا رحم حاسدي لحرما # ضمنت صدورهم من الاوغار
نظروا صنيع اللّه بي فعيونهم # في جنة و قلوبهم في نار
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي # فكأنما برقعت وجه نهار
و سترتها بتواضعي فتطلعت # اعناقها تعلوا على الاستار
هذا آخر ما اخترته من هذه القصيدة الفريدة نحوا من مائة بيت كلها في غاية الجودة.
روى ان صاحبا لعلي عليه السلام يقال [١] له همام و كان عابدا فقال له يا امير المؤمنين صف لي المتقين كأني انظر اليهم، فتثاقل صلوات اللّه عن جوابه؛ و قال يا همام اتق اللّه و احسن «فان اللّه مع الذين اتقوا و الذينهم محسنون» ، فلم يقنع همام بذلك القول حتى عزم عليه قال: فحمد اللّه و اثنى عليه و صلى على النبي ثم قال، اما بعد فان اللّه سبحانه خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم آمنا من معصيتهم، لانه لا تضره معصية من عصاه؛ و لا تنفعه طاعة من اطاعه فقسم بينهم معايشهم و وضعهم في الدنيا مواضعهم، فالمتقون فيها هم اهل الفضائل منطقهم الصواب، و ملبسهم الاقتصاد، و مشيهم التواضع غضوا ابصارهم عما حرم اللّه عليهم و وقفوا اسماعهم على العلم النافع لهم نزلت انفسهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء، لو لا الاجل الذي كتب اللّه لهم لم تستقر ارواحهم في اجسادهم طرفة عين شوقا الى الصواب و خوفا من العقاب عظم الخالق في انفسهم فصغر ما دونه في اعينهم فهم و الجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون و هم و النار كمن قد رآها فهم فيها معذبون قلوبهم محزونة و شرورهم مامونة و اجسادهم نحيفة، و حاجاتهم خفيفة و انفسهم عفيفة صبروا أياما قصيرة اعقبتهم راحة طويلة تجارة مربحة يسرها لهم ربهم، ارادتهم الدنيا فلم يريدوها و اسرتهم ففدوا انفسهم منها اما الليل فصافون اقدامهم تالون لاجزاء القرآن يرتلونها ترتيلا؛ يحزنون به انفسهم، و يستبشرون به دواء دائهم، فاذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا اليها طمعا و تطلعت نفوسهم اليها شوقا، و ظنوا انها نصب اعينهم، و اذا مروا بآية فيها تخويف اصغوا اليها مسامع قلوبهم و ظنوا ان زفير جهنم و شهيقها في اصول آذانهم فهم
[١] اقول قد مرت هذه الخطبة. و هي مذكورة في نهج البلاغة، فمن اراد فعليه اليه و همام بشد الميم