الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ٤١٥
المحدثين الى فصاحة القدماء و جمعت بين الامثال السائرة، و حكمة الحكماء.
اما ابو تمام، فإنه رب معان و صيقل اذهان قد شهدت له بكل معنى مبتكر لم يمش فيه على اثر، فهو غير مدافع عن مقام الاعراب؛ و لقد مارست من الشعر كل اول و اخير، و لم اقل الا عن تنقيب و تنقير، فمن حفظ شعر الرجل و كشف عن غامضه، و راض فكره برائضه، اطاعته اعنة الكلام؛ و كان قوله في البلاغة ما قالت حذام فخذ مني في ذلك قول حكيم، و تعلم ففوق كل ذي علم عليم، و اما ابو عبادة البختري؛ فانه احسن في سبك اللفظ على المعنى، و اراد ان يشعر فغنى، و لقد حاز طرفي الرقة و الجزالة على الاطلاق، فبينا يكون في شظف [١] نجد حتى يتشبث بريف العراق.
و سئل ابو الطيب المتنبي عنه، و عن ابي تمام، و عن نفسه فقال انا و ابو تمام حكيمان و الشاعر البختري، و لعمري انه انصف في حكمه، و اغرب في قوله هذا عن متانة علمه فان ابا عبيدة اتى في شعره بالمعنى المقدور من الصخرة الصماء، المصوغ في سلاسة الماء فادرك بذلك بعد المرام، مع قربه الى الافهام و ما اقول الا انه اتى في معانيه باخلاط الغالية، و رقى في ديباجة لفظه الى الدرجة العالية.
و اما ابو الطيب المتنبي، فانه اراد ان يسلك مسلك ابي تمام، فقصرت عنه خطاه و لم يعط الشعر من قياده ما اعطاه، لكنه حظى في شعره بالحكم و الامثال، و اختص بالابداع في وصف مواقف القتال؛ و انا اقول و لست فيه متأثما و لا منه متلثما، و ذاك انه اذا خاض في وصف معركة كان لسانه امضى من نصالها، و اشجع من ابطالها؛ و قامت اقواله للسامع مقام افعالها، حتى تظن الفريقين قد تقابلا، و السلاحين قد تواصلا، و طريقه في ذلك يضل بسالكه، و يقوم بعذر تاركه، و لا شك انه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة، فيصف لسانه ما اداه اليه عيانه، و مع هذا فاني رأيت الناس عادلين فيه من السنن المتوسط فاما مفرط في وصفه، و اما مفرط و هو و ان انفرد بطريق صارا باعذره، فان سعادة الرجل كانت اكبر من شعره، و على الحقيقة فانه خاتم الشعراء، و مهما وصف به فهو فوق الوصف و فوق الاطراء، و لقد صدق في قوله من ابيات يمدح بها سيف الدولة:
لا تطلبن كريما بعد رؤيته # إن الكرام باسخاهم يدا ختموا
و لا تبلل بشعر بعد شاعره # قد أفسد القول حتى احمد الصمم
[١] الشظف، الضيق. و سوء الحال الريف: السعة و الخصب.