الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ٣٨٤
لما حوصر الأمين، شغب [١] عسكره عليه، و طلبه ارزاقهم منه فأصبح ذات يوم:
و هو يسمع أصوات المحاصرين من خارج البلد. و أصوات الشاغبين من داخل فقال: قاتل اللّه الفريقين: أما أحدهما فيطلب دمي و أما الآخر فيطلب مالي، فقال بعض خواصه: ما أظرف أمير المؤمنين في السراء و الضراء.
قال بعض القضاة: إذا جاءك الخصم، و قد فقئت عينه، فلا تحكم له إلى أن يجيء خصمه، فلعله يأتيك و قد فقئت عيناه معا.
ركب كسرى فرسا: فأنقطع عنانه، فأمر بقطع يد الرابض، فقال: ملك الأنام يجاذب ملك الدواب سيرا [٢] ضعيفا فما بقاؤه، فعفى عنه. قال أفلاطون: الظفر شافع المذنبين إلى الكرماء.
و من كلامه: إذا صار عدوك في قبضتك، فقد خرج من جملة اعدائك. و دخل في عدة حشمك.
قال الرشيد لإسحاق بن عمران و قد اتى به في قيوده: يا إسحاق اني وليتك دمشق و هي جنة مريعة، فتركتها اجرد من الصخر، و أوحش من الفقر، فقال: يا أمير المؤمنين ما قصدت التوفيق من غير جهته. و لكني وليت اقواما ثقل على أعناقهم الحق. فجروا في ميدان التعدي، و رأوا أن المراغمة بتركك العمارة أبلغ في اضرار السلطان فلا جرم ان غضب أمير المؤمنين اخذ لهم بالحظ الأوفر من مساءتي، فقال الرشيد: هذا اجزل كلام سمع لخائف، و هذا ما كنا نسمعه عن الحكماء، افضل الكلام بديهة وردت في مقام خوف.
قال محمد بن السائب: كتب مع جماعة من الشعراء، قصدنا إسحاق بن أيوب أمير الموصل و الجزيرة مادحين له مؤملين فضله: فلم يعطنا شيئا، و طال مقامنا و ان إسحاق يعشق بدعة جارية غريب المأمونية، فقلت: و اللّه لأخدعنه. فوقفت بين يديه يوما. و قلت:
تدرون ما قالت لأترابها # في البر منا بدعة العالم
فهش لمقالي و أقبل علي. و قال: ويحك ما قالت: فقلت:
باللّه إن صغتن لي خاتما # فانقشن إسحاق على الخاتم
[١] الشغب، تهييج الشر و كثرة الصوت المؤدي به.
[٢] السير قطعة من الجلد تجعل عنانا و تحده.