البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٣٤ - آل عمران آيه ٦١
فَقَالُوا:إِذَا كَانَ غَداً بَاهَلْنَاكَ،فَقَالَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ:حَتَّى نَنْظُرَ بِمَا يُبَاهِلُنَا غَداً بِكَثْرَةِ أَتْبَاعِهِ مِنْ أَوْبَاشِ النَّاسِ،أَمْ بِالْقِلَّةِ [١] مِنْ أَهْلِ الصَّفْوَةِ وَ الطَّهَارَةِ،فَإِنَّهُمْ وَشِيجُ [٢] الْأَنْبِيَاءِ،وَ مَوْضِعُ نَهْلِهِمْ.
فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ غَدَا النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِيَمِينِهِ عَلِيٌّ،وَ بِيَسَارِهِ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ،وَ مِنْ وَرَائِهِمْ فَاطِمَةُ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ)،عَلَيْهِمُ النِّمَارُ النَّجْرَانِيَّةُ [٣]،وَ عَلَى كَتِفِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)كِسَاءٌ قَطَوَانِيٌّ [٤] رَقِيقٌ خَشِنٌ لَيْسَ بِكَثْيفٍ وَ لاَ لَيِّنٍ،فَأَمَرَ بِشَجَرَتَيْنِ فَكُسِحَ مَا بَيْنَهُمَا،وَ نَشَرَ الْكِسَاءَ عَلَيْهِمَا،وَ أَدْخَلَهُمْ تَحْتَ الْكِسَاءِ،وَ أَدْخَلَ مَنْكِبَهُ الْأَيْسَرَ مَعَهُمْ تَحْتَ الْكِسَاءِ مُعْتَمِداً عَلَى قَوْسِهِ النَّبْعِ،وَ رَفَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى السَّمَاءِ لِلْمُبَاهَلَةِ،وَ أَشْرَفَ [٥]النَّاسُ يَنْظُرُونَ وَ اصْفَرَّ لَوْنُ السَّيِّدِ وَ الْعَاقِبِ وَ زُلْزِلاَ [٦] حَتَّى كَادَا أَنْ تَطِيشَ عُقُولُهُمَا.
فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ:أَ نُبَاهِلُهُ؟قَالَ:أَ وَ مَا عَلِمْتَ أَنَّهُ مَا بَاهَلَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيّاً فَنَشَأَ صَغِيرُهُمْ أَوْ بَقِيَ كَبِيرُهُمْ؟ وَ لَكِنْ أَرِهِ أَنَّكَ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ،وَ أَعْطِهِ مِنَ الْمَالِ وَ السِّلاَحِ مَا أَرَادَ،فَإِنَّ الرَّجُلَ مُحَارِبٌ،وَ قُلْ لَهُ:أَ بِهَؤُلاَءِ تُبَاهِلُنَا؟لِئَلاَّ يَرَى أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَتْ مَعْرِفَتُنَا بِفَضْلِهِ وَ فَضْلِ أَهْلِ بَيْتِهِ.
فَلَمَّا رَفَعَ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ لِلْمُبَاهَلَةِ،قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ:وَ أَيُّ رَهْبَانِيَّةٍ؟دَارِكِ الرَّجُلَ، فَإِنَّهُ إِنْ فَاهَ بِبَهْلَةٍ لَمْ نَرْجِعْ إِلَى أَهْلٍ وَ لاَ مَالٍ.فَقَالاَ:يَا أَبَا الْقَاسِمِ،أَ فَبِهَؤُلاَءِ تُبَاهِلُنَا؟قَالَ:«نَعَمْ،هَؤُلاَءِ أَوْجَهُ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَعْدِي إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَجِيهَةً،وَ أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ وَسِيلَةً».
قَالَ:فَبَصْبَصَا-يَعْنِي ارْتَعَدَا وَ كَرَّا-وَ قَالاَ لَهُ:يَا أَبَا الْقَاسِمِ،نُعْطِيكَ أَلْفَ سَيْفٍ،وَ أَلْفَ دِرْعٍ،وَ أَلْفَ حَجَفَةٍ [٧] وَ أَلْفَ دِينَارٍ كُلَّ عَامٍ،عَلَى أَنَّ الدِّرْعَ وَ السَّيْفَ وَ الْحَجَفَةَ عِنْدَكَ إِعَارَةٌ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا فَنُعْلِمَهُمْ بِالَّذِي رَأَيْنَا وَ شَاهَدْنَا،فَيَكُونَ الْأَمْرُ عَلَى مَلَإٍ مِنْهُمْ،فَإِمَّا الْإِسْلاَمَ،وَ إِمَّا الْجِزْيَةَ،وَ إِمَّا الْمُقَاطَعَةَ فِي كُلِّ عَامٍ.
فَقَالَ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«قَدْ قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْكُمَا،أَمَا وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْكَرَامَةِ،لَوْ بَاهَلْتُمُونِي بِمَنْ تَحْتَ الْكِسَاءِ لَأَضْرَمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْكُمُ الْوَادِيَ نَاراً تَأَجَّجُ تَأَجُّجاً،حَتَّى يُسَاقَهَا إِلَى مَنْ وَرَاءَكُمْ فِي أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ فَأَحْرَقَتْهُمْ تَأَجُّجاً».
فَهَبَطَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ الرُّوحُ الْأَمِينُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَقَالَ:يَا مُحَمَّدُ،إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ،وَ يَقُولُ لَكَ:وَ عِزَّتِي وَ جَلاَلِي وَ ارْتِفَاعِ مَكَانِي لَوْ بَاهَلْتَ بِمَنْ تَحْتَ الْكِسَاءِ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَ أَهْلَ الْأَرْضِ لَتَسَاقَطَتِ السَّمَاءُ كِسَفاً مُتَهَافِتَةً،
[١] في المصدر:بأهله.
[٢] الوشيجة:عرق الشجرة.و استعير هنا لاشتباك القرابة و الصّلة.
[٣] النّمار:جمع نمرة:كساء مخطط.«مجمع البحرين-نمر-٣:٥٠٣».
[٤] في«ط»:قرقف،و لعلّه تصحيف قرطف:القطيفة،و القطواني:نوع من الأكسية منسوبة إلى موضع في الكوفة،و القطوانيّة:عباءة بيضاء قصيرة الخمل.«القاموس المحيط-قطا-٤:٣٨١»،«لسان العرب-قطا-١٥:١٩١».
[٥] في المصدر:و اشرأبّ:أي رفع رأسه لينظر إليه.
[٦] في«ط»و المصدر:و كرّا.
[٧] الحجفة:الترس،و ذلك إن كانت من جلود و ليس فيها خشب،و تسمى درقة أيضا.«مجمع البحرين-حجف-٥:٣٥».