البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣١١ - بقرة آيه ١١٤
مُحَمَّداً(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِمَكَّةَ وَ أَظْهَرَ بِهَا دَعْوَتَهُ،وَ نَشَرَ بِهَا كَلِمَتَهُ،وَ عَابَ أَدْيَانَهُمْ فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ،وَ أَخَذُوهُ وَ أَسَاءُوا مُعَاشَرَتَهُ،وَ سَعَوْا فِي خَرَابِ الْمَسَاجِدِ الْمَبْنِيَّةِ،كَانَتْ لِقَوْمٍ مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ [١](صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ شِيعَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،كَانَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ مَسَاجِدُ يُحْيُونَ فِيهَا مَا أَمَاتَهُ الْمُبْطِلُونَ،فَسَعَى هَؤُلاَءِ الْمُشْرِكُونَ فِي خَرَابِهَا،وَ أَذَى مُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ سَائِرِ أَصْحَابِهِ،وَ أَلْجَئُوهُ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، الْتَفَتَ خَلْفَهُ إِلَيْهَا،فَقَالَ:اَللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكِ،وَ لَوْلاَ أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي عَنْكِ لَمَا آثَرْتُ عَلَيْكِ بَلَداً،وَ لاَ ابْتَغَيْتُ عَنْكِ بَدَلاً،وَ إِنِّي لَمُغْتَمٌّ عَلَى مُفَارَقَتِكِ.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ:يَا مُحَمَّدُ،إِنَّ الْعَلِيَّ الْأَعْلَى يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ،وَ يَقُولُ:سَأَرُدُّكَ إِلَى هَذَا الْبَلَدِ ظَافِراً غَانِماً سَالِماً قَادِراً قَاهِراً،وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرٰادُّكَ إِلىٰ مَعٰادٍ [٢]يَعْنِي إِلَى مَكَّةَ ظَافِراً غَانِماً،وَ أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)أَصْحَابَهُ،فَاتَّصَلَ بِأَهْلِ مَكَّةَ،فَسَخِرُوا مِنْهُ.
فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):سَوْفَ أَظْفِرُكَ [٣] بِمَكَّةَ،وَ أُجْرِي [٤] عَلَيْهِمْ حُكْمِي،وَ سَوْفَ أَمْنَعُ مِنْ [٥]دُخُولِهَا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى لاَ يَدْخُلَهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلاَّ خَائِفاً،أَوْ دَخَلَهَا مُسْتَخْفِياً مِنْ أَنَّهُ إِنْ عُثِرَ عَلَيْهِ قُتِلَ.
فَلَمَّا حُتِمَ قَضَاءُ اللَّهِ بِفَتْحِ مَكَّةَ وَ اسْتَوْسَقَتْ [٦] لَهُ،أَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ [٧]،فَلَمَّا اتَّصَلَ بِهِمْ خَبَرُهُ،قَالُوا:
إِنَّ مُحَمَّداً لاَ يَزَالُ يَسْتَخِفُّ بِنَا حَتَّى وَلَّى عَلَيْنَا غُلاَماً حَدَثَ السِّنِّ ابْنَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً،وَ نَحْنُ مَشَايِخُ ذَوُو الْأَسْنَانِ،وَ خُدَّامُ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ،وَ جِيرَانُ حَرَمِهِ الْآمِنِ،وَ خَيْرِ بُقْعَةٍ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
وَ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِعَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ عَهْداً عَلَى[أَهْلِ]مَكَّةَ،وَ كَتَبَ فِي أَوَّلِهِ:بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى جِيرَانِ بَيْتِ اللَّهِ،وَ سُكَّانِ حَرَمِ اللَّهِ.أَمَّا بَعْدُ»وَ ذَكَرَ الْعَهْدَ وَ قَرَأَهُ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ.
ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بَعْدَ ذَلِكَ:«ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِعَشْرِ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ بَرَاءَةَ مَعَ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ،وَ فِيهَا ذِكْرُ نَبْذِ الْعُهُودِ إِلَى الْكَافِرِينَ،وَ تَحْرِيمِ قُرْبِ مَكَّةَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ،وَ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ،لِيَحُجَّ بِمَنْ ضَمَّهُ الْمَوْسِمُ،وَ يَقْرَأَ الْآيَاتِ عَلَيْهِمْ،فَلَمَّا صَدَرَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ جَاءَهُ الْمُطَوَّقُ بِالنُّورِ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَقَالَ:يَا مُحَمَّدُ،إِنَّ الْعَلِيَّ الْأَعْلَى يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ،وَ يَقُولُ:يَا مُحَمَّدُ،إِنَّهُ لاَ يُؤَدِّي عَنْكَ إِلاَّ أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ،فَابْعَثْ عَلِيّاً
[١] في المصدر زيادة:و شيعته.
[٢] القصص ٢٨:٨٥.
[٣] في المصدر:أظهرك.
[٤] في«ط»:يظفرك اللّه بمكّة و يجري.
[٥] في المصدر:عن.
[٦] استوسق لك الأمر:إذا أمكنك.«لسان العرب-وسق-١٠:٣٨٠».
[٧] عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أميّة،وال أموي من الصحابة،أسلم يوم فتح مكّة،و استعمله النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله)عليها عند مخرجه إلى حنين في ٨ ه،و أمّره أبو بكر،فاستمر فيها إلى أن مات يوم مات أبو بكر في ١٣ ه،و قيل في ٢٣ ه.الكامل في التاريخ ٢:٢٦٢،الإصابة ٤: ٥٣٨٣/٢١١،أعلى الزركلي ٤:١٩٩.