البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٠٤ - بقرة آيه ١٠٨
يَنْظُرَ إِلَى آدَمَ فِي جَلاَلَتِهِ،وَ إِلَى شَيْثٍ فِي حِكْمَتِهِ،وَ إِلَى إِدْرِيسَ فِي نَبَاهَتِهِ وَ مَهَابَتِهِ،وَ إِلَى نُوحٍ فِي شُكْرِهِ لِرَبِّهِ وَ عِبَادَتِهِ،وَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فِي وَفَائِهِ وَ خُلَّتِهِ،وَ إِلَى مُوسَى فِي بُغْضِ كُلِّ عَدُوٍّ لِلَّهِ وَ مُنَابَذَتِهِ،وَ إِلَى عِيسَى فِي حُبِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ حُسْنِ مُعَاشَرَتِهِ،فَلْيَنْظُرْ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ هَذَا.
فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَازْدَادُوا بِذَلِكَ إِيمَاناً،وَ أَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَازْدَادَ نِفَاقُهُمْ،فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ:يَا مُحَمَّدُ،هَكَذَا مَدْحُكَ لاِبْنِ عَمِّكَ،إِنَّ شَرَفَهُ شَرَفُكَ،وَ عِزَّهُ عِزُّكَ،وَ لَسْتُ أَقْبَلُ مِنْ هَذَا شَيْئاً إِلاَّ بِشَهَادَةِ مَنْ لاَ تَحْتَمِلُ شَهَادَتُهُ بُطْلاَناً وَ لاَ فَسَاداً،بِشَهَادَةِ هَذَا الضَّبِّ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):يَا أَخَا الْعَرَبِ،فَأَخْرِجْهُ مِنْ جِرَابِكَ لِتَسْتَشْهِدَهُ،فَيَشْهَدَ لِي بِالنُّبُوَّةِ،وَ لِأَخِي هَذَا بِالْفَضِيلَةِ.فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ:لَقَدْ تَعِبْتُ فِي اصْطِيَادِهِ،وَ أَنَا خَائِفٌ أَنْ يَطْفِرَ [١] وَ يَهْرُبَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):لاَ تَخَفْ،فَإِنَّهُ لاَ يَطْفِرُ،بَلْ يَقِفُ وَ يَشْهَدُ لَنَا بِتَصْدِيقِنَا وَ تَفْضِيلِنَا.فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ:
إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَطْفِرَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):فَإِنْ طَفَرَ فَقَدْ كَفَاكَ بِهِ تَكْذِيباً لَنَا،وَ احْتِجَاجاً عَلَيْنَا،وَ لَنْ يَطْفِرَ،وَ لَكِنَّهُ سَيَشْهَدُ لَنَا بِشَهَادَةِ الْحَقِّ،فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَخَلِّ سَبِيلَهُ فَإِنَّ مُحَمَّداً يُعَوِّضُكَ عَنْهُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ.
فَأَخْرَجَهُ الْأَعْرَابِيُّ مِنَ الْجِرَابِ،وَ وَضَعَهُ عَلَى الْأَرْضِ،فَوَقَفَ وَ اسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ مَرَّغَ خَدَّيْهِ فِي التُّرَابِ،ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ،وَ أَنْطَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى،فَقَالَ:أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ،وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ،وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَفِيُّهُ وَ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ،وَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ،وَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ،وَ قَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ،وَ أَشْهَدُ أَنَّ أَخَاكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي وَصَفْتَهُ،وَ بِالْفَضْلِ الَّذِي ذَكَرْتَهُ،وَ أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ فِي الْجِنَانِ مُكْرَمُونَ [٢]،وَ أَنَّ أَعْدَاءَهُ فِي النَّارِ خَالِدُونَ [٣].
فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ وَ هُوَ يَبْكِي:يَا رَسُولَ اللَّهِ،وَ أَنَا أَشْهَدُ بِمَا شَهِدَ بِهِ هَذَا الضَّبُّ،فَقَدْ رَأَيْتُ وَ شَاهَدْتُ وَ سَمِعْتُ مَا لَيْسَ لِي عَنْهُ مَعْدِلٌ وَ لاَ مَحِيصٌ.
ثُمَّ أَقْبَلَ الْأَعْرَابِيُّ إِلَى الْيَهُودِ،فَقَالَ:وَيْلَكُمْ،أَيَّ آيَةٍ بَعْدَ هَذِهِ تُرِيدُونَ؟!وَ مُعْجِزَةٍ بَعْدَ هَذِهِ تَقْتَرِحُونَ؟!لَيْسَ إِلاَّ أَنْ تُؤْمِنُوا أَوْ تَهْلِكُوا أَجْمَعِينَ،فَآمَنَ أُولَئِكَ الْيَهُودُ كُلُّهُمْ،وَ قَالُوا:عَظُمَتْ بَرَكَةُ ضَبِّكَ عَلَيْنَا،يَا أَخَا الْعَرَبِ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):يَا أَخَا الْعَرَبِ،خَلِّ الضَّبَّ عَلَى أَنْ يُعَوِّضَكَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْهُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، فَإِنَّهُ ضَبٌّ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ،وَ بِأَخِي رَسُولِهِ،شَاهِدٌ بِالْحَقِّ،مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَصِيداً وَ لاَ أَسِيراً،لَكِنَّهُ يَكُونُ مُخَلًّى سَرْبُهُ [٤][تَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ]عَلَى سَائِرِ الضِّبَابِ،بِمَا فَضَّلَهُ اللَّهُ أَمِيراً.
فَنَادَاهُ الضَّبُّ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،فَخَلِّنِي وَ وَلِّنِي تَعْوِيضَهُ لِأُعَوِّضَهُ.فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ:وَ مَا عَسَاكَ تُعَوِّضُنِي؟
[١] طفر:وثب في ارتفاع.«لسان العرب-طفر-٤:٥٠٢».
[٢] في المصدر:يكرمون.
[٣] في المصدر،و«ط»نسخة بدل:يهانون.
[٤] السّرب:الطريق.«لسان العرب-سرب-١:٤٦٤».