البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٠٣ - بقرة آيه ١٠٨
أَمْ تُرِيدُونَ بَلْ تُرِيدُونَ،يَا كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَ الْيَهُودَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ مَا تَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي لاَ تَعْلَمُونَ هَلْ فِيهَا صَلاَحُكُمْ أَوْ فَسَادُكُمْ كَمٰا سُئِلَ مُوسىٰ مِنْ قَبْلُ وَ اقْتَرَحَ عَلَيْهِ،لَمَّا قِيلَ لَهُ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى نَرَى اللّٰهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّٰاعِقَةُ [١].
وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمٰانِ بَعْدَ جَوَابِ الرَّسُولِ لَهُ:أَنَّ مَا سَأَلَهُ لاَ يَصْلُحُ اقْتِرَاحُهُ عَلَى اللَّهِ،أَوْ بَعْدَ مَا يُظْهِرُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مَا اقْتَرَحَ،إِنْ كَانَ صَوَاباً [٢].
وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمٰانِ بِأَنْ لاَ يُؤْمِنَ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ مَا يَقْتَرِحُ مِنَ الْآيَاتِ،أَوْ لاَ يُؤْمِنُ إِذَا عَرَفَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتَرِحَ،وَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِمَا قَدْ أَقَامَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الدَّلاَلاَتِ،وَ أَوْضَحَهُ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ،فَيَتَبَدَّلُ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ بِأَنْ يُعَانِدَ وَ لاَ يَلْتَزِمَ الْحُجَّةَ الْقَائِمَةَ عَلَيْهِ فَقَدْ ضَلَّ سَوٰاءَ السَّبِيلِ أَخْطَأَ قَصْدَ الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْجِنَانِ،وَ أَخَذَ فِي الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى النِّيرَانِ».
قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِلْيَهُودِ:يَا أَيُّهَا الْيَهُودُ أَمْ تُرِيدُونَ بَلْ تُرِيدُونَ مِنْ بَعْدِ مَا آتَيْنَاكُمْ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ وَ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)قَصَدَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَعَنَّتُوهُ [٣]،وَ يَسْأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاءَ يُرِيدُونَ أَنْ يُعَانِتُوهُ [٤] بِهَا،فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّهُ [٥] يُدْفَعُ فِي قَفَاهُ،قَدْ عُلِّقَ عَلَى عَصًا-عَلَى عَاتِقِهِ- جِرَاباً مَشْدُودَ الرَّأْسِ،فِيهِ شَيْءٌ قَدْ مَلَأَهُ،لاَ يَدْرُونَ مَا هُوَ،فَقَالَ:يَا مُحَمَّدُ،أَجِبْنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):يَا أَخَا الْعَرَبِ،قَدْ سَبَقَكَ الْيَهُودُ لِيَسْأَلُوا،أَ فَتَأْذَنُ لَهُمْ حَتَّى أَبْدَأَ بِهِمْ؟فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ:لاَ،فَإِنِّي غَرِيبٌ مُجْتَازٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):فَأَنْتَ إِذَنْ أَحَقُّ مِنْهُمْ لِغُرْبَتِكَ وَ اجْتِيَازِكَ.فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ:وَ لَفْظَةٌ أُخْرَى.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):مَا هِيَ؟قَالَ:إِنَّ هَؤُلاَءِ أَهْلُ كِتَابٍ،يَدَّعُونَهُ بِزَعْمِهِمْ [٦]حَقّاً،وَ لَسْتُ آمَنُ أَنْ تَقُولَ شَيْئاً يُوَاطِئُونَكَ عَلَيْهِ وَ يُصَدِّقُونَكَ،لِيَفْتِنَ النَّاسَ عَنْ دِينِهِمْ،وَ أَنَا لاَ أَقْنَعُ بِمِثْلِ هَذَا،لاَ أَقْنَعُ إِلاَّ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟فَدُعِيَ بِعَلِيٍّ فَجَاءَ حَتَّى قَرُبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ:يَا مُحَمَّدُ،وَ مَا تَصْنَعُ بِهَذَا فِي مُحَاوَرَتِي إِيَّاكَ؟ قَالَ:يَا أَعْرَابِيٌّ،سَأَلْتَ الْبَيَانَ،وَ هَذَا الْبَيَانُ الشَّافِي،وَ صَاحِبُ الْعِلْمِ الْكَافِي،أَنَا مَدِينَةُ الْحِكْمَةِ وَ هَذَا بَابُهَا، فَمَنْ أَرَادَ الْحِكْمَةَ وَ الْعِلْمَ فَلْيَأْتِ الْبَابَ.
فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِأَعْلَى صَوْتِهِ:يَا عِبَادَ اللَّهِ،مَنْ أَرَادَ أَنْ
[١] البقرة ٢:٥٥.
[٢] (بعد جواب الرسول...صوابا)ليس في«س».
[٣] تعنّته:سأله عن شيء أراد به اللبس عليه و المشقّة.«لسان العرب-عنت-٢:٦١».
[٤] في المصدر:يتعانتوه.
[٥] في المصدر:كأنّما.
[٦] في المصدر:و يزعمونه.