البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٨٦ - بقرة آيه ٩٨- ٩٧
أَنَّهُ لاَ يُصِيبُنِي،لِيَتَبَيَّنَ لِهَؤُلاَءِ الضُّعَفَاءِ الَّذِينَ قَدِ اغْتَرُّوا بِكَ أَنَّ زَوَالَهُ عَنِ ابْنِي لَمْ يَكُنْ بِدُعَائِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):يَا يَهُودِيُّ،اتَّقِ اللَّهَ،وَ تَهَنَّأْ بِعَافِيَةِ اللَّهِ إِيَّاكَ،وَ لاَ تَتَعَرَّضْ لِلْبَلاَءِ وَ لِمَا لاَ تُطِيقُهُ، وَ قَابِلِ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ،فَإِنَّ مَنْ كَفَرَهَا سُلِبَهَا،وَ مَنْ شَكَرَهَا امْتَرَى [١] مَزِيدَهَا.
فَقَالَ الْيَهُودِيُّ:مِنْ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ تَكْذِيبُ عَدُوِّ اللَّهِ الْمُفْتَرِي عَلَيْهِ،وَ إِنَّمَا أُرِيدُ بِهَذَا أَنْ أُعَرِّفَ وَلَدِي أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا قُلْتَ لَهُ وَ ادَّعَيْتَهُ قَلِيلٌ وَ لاَ كَثِيرٌ،وَ أَنَّ الَّذِي أَصَابَهُ مِنْ خَيْرٍ لَمْ يَكُنْ بِدُعَاءِ عَلِيٍّ صَاحِبِكَ.فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ قَالَ:يَا يَهُودِيُّ،هَبْكَ قُلْتَ إِنَّ عَافِيَةَ ابْنِكَ لَمْ تَكُنْ بِدُعَاءِ عَلِيٍّ،وَ إِنَّمَا صَادَفَ دُعَاؤُهُ وَقْتَ مَجِيءِ عَافِيَتِهِ،أَ رَأَيْتَ لَوْ دَعَا عَلَيْكَ عَلِيُّ بِهَذَا الْبَلاَءِ الَّذِي اقْتَرَحْتَهُ فَأَصَابَكَ،أَ تَقُولُ:إِنَّ مَا أَصَابَنِي لَمْ يَكُنْ بِدُعَائِهِ،وَ لَكِنْ لِأَنَّهُ صَادَفَ دُعَاؤُهُ وَقْتَ بَلاَئِي؟ فَقَالَ:لاَ أَقُولُ هَذَا،لِأَنَّ هَذَا احْتِجَاجٌ مِنِّي عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ فِي دِينِ اللَّهِ،وَ احْتِجَاجٌ مِنْهُ عَلَيَّ،وَ اللَّهُ أَحْكَمُ مِنْ أَنْ يُجِيبَ إِلَى مِثْلِ هَذَا؛فَيَكُونَ قَدْ فَتَنَ عِبَادَهُ،وَ دَعَاهُمْ إِلَى تَصْدِيقِ الْكَاذِبِينَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):فَهَذَا فِي دُعَاءِ عَلِيٍّ لاِبْنِكَ كَهُوَ فِي دُعَائِهِ عَلَيْكَ،لاَ يَفْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَلْبَسُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ دِينَهُ،وَ يُصَدِّقُ بِهِ الْكَاذِبَ عَلَيْهِ.
فَتَحَيَّرَ الْيَهُودِيُّ لَمَّا أُبْطِلَتْ عَلَيْهِ [٢] شُبْهَتُهُ،وَ قَالَ:يَا مُحَمَّدُ،لِيَفْعَلْ عَلِيٌّ هَذَا بِي إِنْ كُنْتَ صَادِقاً.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِعَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):يَا أَبَا الْحَسَنِ،قَدْ أَبَى الْكَافِرُ إِلاَّ عُتُوّاً وَ طُغْيَاناً وَ تَمَرُّداً،فَادْعُ عَلَيْهِ بِمَا اقْتَرَحَ،وَ قُلْ:اَللَّهُمَّ ابْتَلِهِ بِبَلاَءِ ابْنِهِ مِنْ قَبْلُ.فَقَالَهَا،فَأَصَابَ الْيَهُودِيَّ دَاءُ ذَلِكَ الْغُلاَمِ،مِثْلُ مَا كَانَ فِيهِ الْغُلاَمُ مِنَ الْجُذَامِ وَ الْبَرَصِ،وَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْأَلَمُ وَ الْبَلاَءُ،وَ جَعَلَ يَصْرَخُ وَ يَسْتَغِيثُ،وَ يَقُولُ:يَا مُحَمَّدُ،قَدْ عَرَفْتُ صِدْقَكَ فَأَقِلْنِي [٣].
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):لَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى صِدْقَكَ لَنَجَّاكَ،وَ لَكِنَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّكَ لاَ تَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْحَالِ إِلاَّ ازْدَدْتَ كُفْراً،وَ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ نَجَّاكَ آمَنْتَ بِهِ لَجَادَ عَلَيْكَ بِالنَّجَاةِ،فَإِنَّهُ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ».
ثُمَّ قَالَ:«فَبَقِيَ الْيَهُودِيُّ فِي ذَلِكَ الدَّاءِ وَ الْبَرَصِ أَرْبَعِينَ سَنَةً آيَةً لِلنَّاظِرِينَ،وَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ [٤]،وَ عَلاَمَةً وَ حُجَّةً بَيِّنَةً لِمُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بَاقِيَةً فِي الْغَابِرِينَ،وَ بَقِيَ ابْنُهُ كَذَلِكَ مُعَافًى صَحِيحَ الْأَعْضَاءِ وَ الْجَوَارِحِ ثَمَانِينَ سَنَةً عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ،وَ تَرْغِيباً لِلْكَافِرِينَ فِي الْإِيمَانِ،وَ تَزْهِيداً لَهُمْ فِي الْكُفْرِ وَ الْعِصْيَانِ.
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)حِينَ حَلَّ ذَلِكَ الْبَلاَءُ بِالْيَهُودِيِّ بَعْدَ زَوَالِ الْبَلاَءِ عَنِ ابْنِهِ:عِبَادَ اللَّهِ،إِيَّاكُمْ وَ الْكُفْرَ بِنِعَمِ اللَّهِ،فَإِنَّهُ مَشْئُومٌ عَلَى صَاحِبِهِ،أَلاَ وَ تَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ بِالطَّاعَاتِ يُجْزِلْ لَكُمُ الْمَثُوبَاتِ،وَ قَصِّرُوا أَعْمَارَكُمْ فِي الدُّنْيَا
[١] الريح تمري السّحاب:أي تستدرّه.«الصحاح-مرا-٦:٢٤٩١».
[٢] في المصدر:لما أبطل(صلّى اللّه عليه و آله)
[٣] أقال اللّه فلانا عثرته:بمعنى الصفح عنه.«لسان العرب-قيل-١١:٥٨٠»،و في«ط»نسخة بدل:فاقبلني.
[٤] في المصدر:للمتفكّرين.