البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٥٣ - بقرة آيه ٧٧- ٧٥
وَ الْخُضْرَوَاتُ النُّزْهَةِ مَا تَتَمَتَّعُ بِهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصَارُ،وَ تَنْجَلِي [١] بِهِ الْهُمُومُ وَ الْغُمُومُ وَ الْأَفْكَارُ،وَ هُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ مِثْلُ صَحْرَائِهِمْ،عَلَى مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ عَجَائِبِ أَشْجَارِهَا،وَ تَهَدُّلِ [٢] ثِمَارِهَا،وَ اطِّرَادِ أَنْهَارِهَا،وَ غَضَارَةِ رَيَاحِينِهَا،وَ حُسْنِ نَبَاتِهَا.
وَ مُحَمَّدٌ هُوَ الَّذِي لَمَّا جَاءَهُ رَسُولُ أَبِي جَهْلٍ [٣] يَتَهَدَّدُهُ وَ يَقُولُ:يَا مُحَمَّدُ،إِنَّ الْخُيُوطَ [٤] الَّتِي فِي رَأْسِكَ هِيَ الَّتِي ضَيَّقَتْ عَلَيْكَ مَكَّةَ،وَ رَمَتْ بِكَ إِلَى يَثْرِبَ،وَ إِنَّهَا لاَ تَزَالُ بِكَ حَتَّى تُنْفِرَكَ وَ تَحُثَّكَ عَلَى مَا يُفْسِدُكَ وَ يُتْلِفُكَ،إِلَى أَنْ تُفْسِدَهَا عَلَى أَهْلِهَا،وَ تُصْلِيَهُمْ حَرَّ نَارِ تَعَدِّيكَ طَوْرَكَ،وَ مَا أَرَى ذَلِكَ إِلاَّ وَ سَيَئُولُ إِلَى أَنْ تَثُورَ [٥] عَلَيْكَ قُرَيْشٌ ثَوْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ بِقَصْدِ آثَارِكَ،وَ دَفْعِ ضَرَرِكَ وَ بَلاَئِكَ،فَتَلْقَاهُمْ بِسُفَهَائِكَ الْمُغْتَرِّينَ بِكَ،وَ يُسَاعِدُكَ عَلَى ذَلِكَ مَنْ هُوَ كَافِرٌ بِكَ وَ مُبْغِضٌ لَكَ،فَيُلْجِئُهُ إِلَى مُسَاعَدَتِكَ وَ مُضَافَرَتِكَ خَوْفُهُ لِأَنْ يَهْلِكَ بِهَلاَكِكَ،وَ تَعْطِبَ [٦] عِيَالُهُ بِعَطَبِكَ، وَ يَفْتَقِرَ هُوَ وَ مَنْ يَلِيهِ بِفَقْرِكَ،وَ بِفَقْرِ شِيعَتِكَ [٧]،أَوْ يَعْتَقِدُونَ [٨] أَنَّ أَعْدَاءَكَ إِذَا قَهَرُوكَ وَ دَخَلُوا دِيَارَهُمْ عَنْوَةً لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَنْ وَالاَكَ وَ عَادَاكَ،وَ اصْطَلَمُوهُمْ بِاصْطِلاَمِهِمْ لَكَ،وَ أَتَوْا عَلَى عِيَالاَتِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ بِالسَّبْيِ وَ النَّهْبِ،كَمَا يَأْتُونَ عَلَى أَمْوَالِكَ وَ عِيَالِكَ،وَ قَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ [٩]،وَ بَالَغَ مَنْ أَوْضَحَ.
أَدَّيْتَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ إِلَى مُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ هُوَ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ،بِحَضْرَةِ كَافَّةِ أَصْحَابِهِ،وَ عَامَّةِ الْكُفَّارِ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ،وَ هَكَذَا أَمَرَ الرَّسُولُ،لِيُجَنِّبُوا الْمُؤْمِنِينَ،وَ يُغْرُوا بِالْوُثُوبِ عَلَيْهِ سَائِرُ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الْكَافِرِينَ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِلرَّسُولِ:قَدْ أَطْرَيْتَ [١٠] مَقَالَتَكَ،وَ اسْتَكْمَلْتَ رِسَالَتَكَ؟قَالَ:بَلَى.
قَالَ:فَاسْمَعِ الْجَوَابَ:إِنَّ أَبَا جَهْلٍ بِالْمَكَارِهِ وَ الْعَطَبِ يُهَدِّدُنِي،وَ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالنَّصْرِ وَ الظَّفَرِ يَعِدُنِي،وَ خَبَرُ اللَّهِ أَصْدَقُ،وَ الْقَبُولُ مِنَ اللَّهِ أَحَقُّ،لَنْ يَضُرَّ مُحَمَّداً مَنْ خَذَلَهُ،أَوْ يَغْضَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ،وَ يَتَفَضَّلَ بِجُودِهِ وَ كَرَمِهِ عَلَيْهِ،قُلْ لَهُ:يَا أَبَا جَهْلٍ،إِنَّكَ رَاسَلْتَنِي بِمَا أَلْقَاهُ فِي خَلَدِكَ [١١] الشَّيْطَانُ،وَ أَنَا أُجِيبُكَ بِمَا أَلْقَاهُ فِي خَاطِرِي الرَّحْمَنِ،إِنَّ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكَ كَائِنَةٌ إِلَى تِسْعَةٍ وَ عِشْرِينَ يَوْماً،وَ إِنَّ اللَّهَ سَيَقْتُلُكَ فِيهَا بِأَضْعَفِ أَصْحَابِي،وَ سَتَلْقَى
[١] في«س»:و تتجلّى.
[٢] تهدّلت أغصان الشجرة:تدلّت.«مجمع البحرين-هدل-٥:٤٩٧».
[٣] في«ط»نسخة بدل:أبي لهب.
[٤] في المصدر:الخبوط.
[٥] في«س»:إلاّ و ستثور.
[٦] العطب:الهلاك.«الصحاح-عطب-١:١٨٤».
[٧] في المصدر:متبعيك.
[٨] في المصدر:إذ يعتقدون.
[٩] أعذر من أنذر.مثل معناه:من حذرك ما يحلّ بك فقد أعذر إليك،أي صار معذورا عندك.«مجمع الأمثال ٢:٢٩».
[١٠] في«س»:أطردت،و في«ط»نسخة بدل:أطويت.
[١١] الخلد:البال يقال:وقع ذلك في خلدي:أي في روعي و قلبي.«الصحاح-خلد-٢:٤٦٩».