البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٤٧ - بقرة آيه ٧٤
لَوْ أَنْزَلْنٰا هٰذَا الْقُرْآنَ عَلىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خٰاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللّٰهِ [١] وَ هَذَا التَّقْرِيعُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْيَهُودِ وَ النَّوَاصِبِ،وَ الْيَهُودُ جَمَعُوا الْأَمْرَيْنِ وَ اقْتَرَفُوا الْخَطِيئَتَيْنِ،فَعَظُمَ [٢] عَلَى الْيَهُودِ مَا وَبَّخَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ وَ ذَوِي اللسن [اَلْأَلْسُنِ] وَ الْبَيَانِ مِنْهُمْ:يَا مُحَمَّدُ،إِنَّكَ تَهْجُونَا وَ تَدَّعِي عَلَى قُلُوبِنَا مَا اللَّهُ يَعْلَمُ مِنْهَا خِلاَفَهُ،إِنَّ فِيهَا [٣] خَيْراً كَثِيراً،نَصُومُ وَ نَتَصَدَّقُ وَ نُوَاسِي الْفُقَرَاءَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):إِنَّمَا الْخَيْرُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى،وَ عُمِلَ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى،فَأَمَّا مَا أُرِيدَ بِهِ الرِّيَاءُ وَ السُّمْعَةُ وَ مُعَانَدَةُ [٤] رَسُولِ اللَّهِ،وَ إِظْهَارُ الْغِنَى لَهُ،وَ التَّمَالُكُ وَ التَّشَرُّفُ عَلَيْهِ،فَلَيْسَ بِخَيْرٍ،بَلْ هُوَ الشَّرُّ الْخَالِصُ،وَ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ،يُعَذِّبُهُ اللَّهُ بِهِ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
فَقَالُوا لَهُ:يَا مُحَمَّدُ،أَنْتَ تَقُولُ هَذَا،وَ نَحْنُ نَقُولُ:بَلْ مَا نُنْفِقُهُ إِلاَّ لِإِبْطَالِ أَمْرِكَ،وَ دَفْعِ رِسَالَتِكَ [٥]،وَ لِتَفْرِيقِ أَصْحَابِكَ عَنْكَ [٦]،وَ هُوَ الْجِهَادُ الْأَعْظَمُ،نَأْمُلُ بِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الثَّوَابَ الْأَجَلَّ الْأَجْسَمَ،فَأَقَلُّ أَحْوَالِنَا أَنَّا تَسَاوَيْنَا فِي الدَّعَاوِي،فَأَيُّ فَضْلٍ لَكَ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):يَا إِخْوَةَ الْيَهُودِ،إِنَّ الدَّعَاوِيَ يَتَسَاوَى فِيهَا الْمُحِقُّونَ وَ الْمُبْطِلُونَ،وَ لَكِنْ حُجَجُ اللَّهِ وَ دَلاَئِلُهُ تُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ فَتَكْشِفُ عَنْ تَمْوِيهِ الْمُبْطِلِينَ،وَ تُبَيِّنُ عَنْ حَقَائِقِ الْمُحِقِّينَ،وَ رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ لاَ يَغْتَنِمُ جَهْلَكُمْ،وَ لاَ يُكَلِّفُكُمُ التَّسْلِيمَ لَهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ،وَ لَكِنْ يُقِيمُ عَلَيْكُمْ حُجَّةَ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ يُمْكِنُكُمْ دَفْعُهَا،وَ لاَ تُطِيقُونَ الاِمْتِنَاعَ مِنْ مُوجِبِهَا،وَ لَوْ ذَهَبَ مُحَمَّدٌ يُرِيكُمْ آيَةً مِنْ عِنْدِهِ لَشَكَكْتُمْ،وَ قُلْتُمْ:إِنَّهُ مُتَكَلِّفٌ مَصْنُوعٌ مُحْتَالٌ فِيهِ،مَعْمُولٌ أَوْ مُتَوَاطَأٌ عَلَيْهِ،فَإِذَا اقْتَرَحْتُمْ أَنْتُمْ فَأَرَاكُمْ مَا تَقْتَرِحُونَ،لَمْ يَكُنْ لَكُمْ أَنْ تَقُولُوا:مَعْمُولٌ أَوْ مُتَوَاطَأٌ عَلَيْهِ أَوْ مُتَأَتٍّ بِحِيلَةٍ وَ مُقَدِّمَاتٍ،فَمَا الَّذِي تَقْتَرِحُونَ؟فَهَذَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يُظْهِرَ لَكُمْ مَا تَقْتَرِحُونَ لِيَقْطَعَ مَعَاذِيرَ الْكَافِرِينَ مِنْكُمْ،وَ يَزِيدَ فِي بَصَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالُوا:قَدْ أَنْصَفْتَنَا-يَا مُحَمَّدُ-فَإِنْ وَفَيْتَ بِمَا وَعَدْتَ مِنْ نَفْسِكَ مِنَ الْإِنْصَافِ،وَ إِلاَّ فَأَنْتَ أَوَّلُ رَاجِعٍ عَنْ دَعْوَاكَ لِلنُّبُوَّةِ،وَ دَاخِلٌ فِي غُمَارِ [٧] الْأُمَّةِ،وَ مُسَلِّمٌ لِحُكْمِ التَّوْرَاةِ لِعَجْزِكَ عَمَّا نَقْتَرِحُهُ عَلَيْكَ،وَ ظُهُورِ الْبَاطِلِ فِي دَعْوَاكَ [٨] فِيمَا تَرُومُهُ مِنْ جِهَتِكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):اَلصِّدْقُ يُنْبِئُ عَنْكُمْ لاَ الْوَعِيدُ [٩]،اقْتَرِحُوا مَا تَقْتَرِحُونَ لِيَقْطَعَ مَعَاذِيرَكُمْ فِيمَا
[١] الحشر ٥٩:٢١.
[٢] في المصدر:فغلّظ.
[٣] في«ط»نسخة بدل:فينا.
[٤] في المصدر:أو معاندة.
[٥] في«ط»نسخة بدل:و رفع رئاستك.
[٦] في«ط»نسخة بدل:منك.
[٧] دخلت في غمار الناس-يضمّ و يفتح-أي في زحمتهم و كثرتهم.«الصحاح-غمر-٢:٧٧٢».
[٨] في«س»:و ظهور باطل دعواك.
[٩] مثل لفظه:(الصدق ينبئ عنك لا الوعيد)،و معناه:أنّ ما ينبئ عدوّك عنك أن تصدق في المحاربة و غيرها،لا أن توعده و لا تنفّذ لما توعد به.«مجمع الأمثال ١:٣٩٨».