البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٤٩ - بقرة آيه ٧٤
حَوَالَيْهِ مِنَ الْأَشْجَارِ الْخَضِرَةِ النَّضِرَةِ النَّزِهَةِ،وَ غَمَرَ [١] مَا حَوْلَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنْثُورِ [٢]،بِمَا لاَ يُوجَدُ إِلاَّ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ مِنْ جَمِيعِ السَّنَةِ؟ قَالَ الْجَبَلُ:بَلَى،أَشْهَدُ لَكَ-يَا مُحَمَّدُ-بِذَلِكَ،وَ أَشْهَدُ أَنَّكَ لَوِ اقْتَرَحْتَ عَلَى رَبِّكَ أَنْ يَجْعَلَ رِجَالَ الدُّنْيَا قُرُوداً وَ خَنَازِيرَ لَفَعَلَ،أَوْ يَجْعَلَهُمْ مَلاَئِكَةً لَفَعَلَ،وَ أَنْ يَقْلِبَ النِّيرَانَ جَلِيداً،وَ الْجَلِيدَ نِيرَاناً [٣] لَفَعَلَ،أَوْ يَهْبِطَ السَّمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ،أَوْ يَرْفَعَ الْأَرْضَ إِلَى السَّمَاءِ لَفَعَلَ،أَوْ يُصَيِّرَ [٤] أَطْرَافَ الْمَشَارِقِ وَ الْمَغَارِبِ وَ الْوِهَادَ كُلَّهَا صُرَّةً كَصُرَّةِ الْكِيسِ لَفَعَلَ،وَ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ الْأَرْضَ وَ السَّمَاءَ طَوْعَكَ،وَ الْجِبَالَ وَ الْبِحَارَ تَنْصَرِفُ بِأَمْرِكَ،وَ سَائِرَ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الرِّيَاحِ وَ الصَّوَاعِقِ،وَ جَوَارِحِ الْإِنْسَانِ وَ أَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ لَكَ مُطِيعَةً،وَ مَا أَمَرْتَهَا بِهِ مِنْ شَيْءٍ ائْتَمَرَتْ.
فَقَالَ الْيَهُودُ:يَا مُحَمَّدُ:عَلَيْنَا [٥] تُلَبِّسُ وَ تُشَبِّهُ؟قَدْ أَجْلَسْتَ مَرَدَةً مِنْ أَصْحَابِكَ خَلْفَ صُخُورٍ عَلَى هَذَا الْجَبَلِ،فَهُمْ يَنْطِقُونَ بِهَذَا الْكَلاَمِ،وَ نَحْنُ لاَ نَدْرِي أَ نَسْمَعُ مِنَ الرَّجُلِ أَمْ مِنَ الْجَبَلِ؟لاَ يَغْتَرُّ بِمِثْلِ هَذَا إِلاَّ ضُعَفَاؤُكَ الَّذِينَ تَبَحْبَحُ [٦] فِي عُقُولِهِمْ،فَإِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَتَنَحَّ عَنْ مَوْضِعِكَ هَذَا إِلَى ذَلِكَ الْقَرَارِ،وَ مُرْ هَذَا الْجَبَلَ أَنْ يَنْقَلِعَ [٧]مِنْ أَصْلِهِ،فَيَسِيرَ إِلَيْكَ إِلَى هُنَاكَ،فَإِذَا حَضَرَكَ-وَ نَحْنُ نُشَاهِدُهُ-فَمُرْهُ أَنْ يَنْقَطِعَ نِصْفَيْنِ مِنِ ارْتِفَاعِ سَمْكِهِ،ثُمَّ تَرْتَفِعَ السُّفْلَى مِنْ قِطْعَتَيْهِ فَوْقَ الْعُلْيَا،وَ تَنْخَفِضَ الْعُلْيَا تَحْتَ السُّفْلَى،فَإِذَا أَصْلُ الْجَبَلِ قُلَّتُهُ [٨]،وَ قُلَّتُهُ أَصْلُهُ،لِنَعْلَمَ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ،لاَ يَتَّفِقُ بِمُوَاطَأَةٍ وَ لاَ بِمُعَاوَنَةِ مُمَوِّهِينَ مُتَمَرِّدِينَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)-وَ أَشَارَ إِلَى حَجَرٍ فِيهِ قَدْرُ خَمْسَةِ أَرْطَالٍ-:يَا أَيُّهَا الْحَجَرُ،تَدَحْرَجْ؛فَتَدَحْرَجَ.
ثُمَّ قَالَ لِمُخَاطَبِهِ:خُذْهُ وَ قَرِّبْهُ مِنْ أُذُنِكَ،فَسَيُعِيدُ عَلَيْكَ مَا سَمِعْتَهُ،فَإِنَّهُ جُزْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْجَبَلِ؛فَأَخَذَهُ الرَّجُلُ، فَأَدْنَاهُ إِلَى أُذُنِهِ،فَنَطَقَ [٩] الْحَجَرُ بِمِثْلِ مَا نَطَقَ بِهِ الْجَبَلُ أَوَّلاً مِنْ تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِيمَا ذَكَرَ عَنْ قُلُوبِ الْيَهُودِ،وَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ أَنَّ نِفَاقَهُمْ فِي دَفْعِ أَمْرِ مُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بَاطِلٌ،وَ وَبَالٌ عَلَيْهِمْ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):أَ سَمِعْتَ هَذَا؟أَ خَلْفَ هَذَا الْحَجَرِ أَحَدٌ يُكَلِّمُكَ،وَ يُوهِمُكَ أَنَّهُ يُكَلِّمُكَ، قَالَ:لاَ،فَآتِنِي بِمَا اقْتَرَحْتُ فِي الْجَبَلِ.
فَتَبَاعَدَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)إِلَى فَضَاءٍ وَاسِعٍ،ثُمَّ نَادَى الْجَبَلَ:يَا أَيُّهَا الْجَبَلُ،بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ،
[١] في«س»:و عمّ.
[٢] في«ط»نسخة بدل:الميثور.
[٣] في«س»:النار.
[٤] في«س»:تصير.
[٥] في المصدر:أعلينا.
[٦] تبحبحت في الدار:إذا توسطتها و تمكّنت منها،و التّبحبح:التمكّن في الحلول و المقام،و الظاهر أنّ المراد هنا:تتمكن من عقولهم،و تسيطر عليها.«لسان العرب-بحح-٢:٤٠٧».
[٧] في«س»:ينقطع.
[٨] القلّة:أعلى الجبل.«الصحاح-قلل-٥:١٨٠٤».
[٩] في المصدر زيادة:به.