البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٤٠ - بقرة آيه ١٢- ١١
بِإِجَابَتِكَ-كُلَّمَا دَعْوَتَنَا-إِلَى اصْطِلاَمِ [١] كُلِّ مَنْ سَلَّطْنَا عَلَيْهِ،فَمَتَى شِئْتَ فَادْعُنَا نُجِبْكَ،وَ بِمَا شِئْتَ فَمُرْنَا بِهِ نُطِعْكَ.
يَا عَلِيُّ،يَا وَصِيَّ رَسُولِ اللَّهِ،إِنَّ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الشَّأْنِ الْعَظِيمِ مَا لَوْ سَأَلْتَ اللَّهَ أَنْ يُصَيِّرَ لَكَ أَطْرَافَ الْأَرْضِ وَ جَوَانِبَهَا هَيْئَةً وَاحِدَةً كَصُرَّةِ كِيسٍ لَفَعَلَ،أَوْ يَحُطَّ لَكَ السَّمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ لَفَعَلَ،أَوْ يَرْفَعَ لَكَ الْأَرْضَ إِلَى السَّمَاءِ لَفَعَلَ،أَوْ يُقَلِّبَ لَكَ مَاءَ بِحَارِهَا الْأُجَاجَ مَاءً عَذْباً أَوْ زِئْبَقاً أَوْ بَاناً [٢]،أَوْ مَا شِئْتَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَشْرِبَةِ وَ الْأَدْهَانِ لَفَعَلَ، وَ لَوْ شِئْتَ أَنْ يُجَمِّدَ الْبِحَارَ،أَوْ يَجْعَلَ سَائِرَ الْأَرْضِ مِثْلَ الْبِحَارِ لَفَعَلَ،فَلاَ يَحْزُنْكَ تَمَرُّدُ هَؤُلاَءِ الْمُتَمَرِّدِينَ،وَ خِلاَفُ هَؤُلاَءِ الْمُخَالِفِينَ،فَكَأَنَّهُمْ بِالدُّنْيَا قَدِ انْقَضَتْ بِهِمْ كَأَنْ لَمْ يَكُونُوا فِيهَا،وَ كَأَنَّهُمْ بِالْآخِرَةِ إِذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِمْ كَأَنْ لَمْ يَزَالُوا فِيهَا.
يَا عَلِيُّ،إِنَّ الَّذِي أَمْهَلَهُمْ-مَعَ كُفْرِهِمْ وَ فُسُوقِهِمْ وَ تَمَرُّدِهِمْ-عَنْ طَاعَتِكَ،هُوَ الَّذِي أَمْهَلَ فِرْعَوْنَ ذَا الْأَوْتَادِ وَ نُمْرُودَ بْنَ كَنْعَانَ،وَ مَنِ ادَّعَى الْأُلُوهِيَّةَ مِنْ ذَوِي الطُّغْيَانِ،وَ أَطْغَى الطُّغَاةِ إِبْلِيسَ رَأْسَ الضَّلاَلاَتِ.
مَا خُلِقْتَ أَنْتَ وَ هُمْ لِدَارِ الْفَنَاءِ،بَلْ خُلِقْتُمْ لِدَارِ الْبَقَاءِ،وَ لَكِنَّكُمْ تُنْقَلُونَ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ،وَ لاَ حَاجَةَ لِرَبِّكَ إِلَى مَنْ يَسُومُهُمْ وَ يَرْعَاهُمْ،لَكِنَّهُ أَرَادَ تَشْرِيفَكَ عَلَيْهِمْ،وَ إِبَانَتَكَ بِالْفَضْلِ فِيهِمْ،وَ لَوْ شَاءَ لَهَدَاهُمْ.
قَالَ:فَمَرِضَتْ قُلُوبُ الْقَوْمِ لِمَا شَاهَدُوا مِنْ ذَلِكَ،مُضَافاً إِلَى مَا كَانَ مِنْ مَرَضِ حَسَدِهِمْ [٣] لَهُ وَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَيْ فِي قُلُوبِ هَؤُلاَءِ الْمُتَمَرِّدِينَ الشَّاكِّينَ النَّاكِثِينَ،لِمَا أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ بِيعَةِ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَزٰادَهُمُ اللّٰهُ مَرَضاً بِحَيْثُ تَاهَتْ لَهُ قُلُوبُهُمْ،جَزَاءً بِمَا أَرَيْتَهُمْ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَ الْمُعْجِزَاتِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ بِمٰا كٰانُوا يَكْذِبُونَ فِي قَوْلِهِمْ:إِنَّا عَلَى الْبَيْعَةِ وَ الْعَهْدِ مُقِيمُونَ».
قوله تعالى:
وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمْ لاٰ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قٰالُوا إِنَّمٰا نَحْنُ مُصْلِحُونَ[١١] أَلاٰ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لٰكِنْ لاٰ يَشْعُرُونَ[١٢]
٩٩-/٣٣٤ _١- قَالَ الْإِمَامُ الْعَسْكَرِيُّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«قَالَ الْعَالِمُ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): إِذَا قِيلَ لِهَؤُلاَءِ النَّاكِثِينَ لِلْبَيْعَةِ
[١] الاصطلاح:الاستئصال.«الصحاح-صلم-٥:١٩٦٧».
[٢] البان:ضرب من الشجر طيّب الزهر،و منه دهن البان.«الصحاح-بون-٥:٢٠٨١».
[٣] في«س»:أجسادهم.