الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٩ - بیان
و الرسل الذين هم أولوا العقول الكاملة فيهتدوا إلى الحق و يتوافقوا عليه و لا يتكلوا على عقولهم الجزئية الناقصة المتباينة فيضلوا و يختلفوا.
فأحسنهم استجابة لقبول الدعوة و انقياد الرسالة أحسنهم معرفة بالله و آياته و كلماته و أعلمهم بأمر اللَّه بأحكامه و شرائعه أو بأفعاله سبحانه.
أحسنهم عقلا لأن حسن العقل إنما يكون بالعلم و العمل و قبول العمل إنما يكون بإصابة السنة و هي إنما تكون بالعلم بالسنة و هو العلم بأمر اللَّه بالمعنى الأول.
أو نقول إن حسن العقل إنما يكون بتعلم الحكمة و هي العلم بأفعال اللَّه عز و جل على ما هي عليه و هو العلم بأمر اللَّه بالمعنى الثاني.
بطول أمله فإن طول الأمل في الدنيا يمنع التفكر في الأمور الإلهية النورية لأنه يحمل النفس على التفكر في الأمور العاجلة و تحصيل أسبابها الظلمانية فمن بدل تفكره في الأنوار الأخروية و الباقيات الصالحات بتفكره في الظلمات الدنيوية الناشئة عن طول أمله و حبه للفانيات فقد أظلم نور تفكره بطول أمله.
بفضول كلامه لأن للكلام حلاوة و لذة و سكرا يشغل النفس عن جهة الباطن و يجعل همها مصروفا إلى تحسين العبارات و تحريك القلوب بالنكات و الإشارات فيمحو به طرائف الحكمة عن قلبه بشهوات نفسه لأن حب الشيء يعمي و يصم عن إدراك غيره فحب الشهوات يعمي القلب و يذهب بنور عبرته كيف يزكو يطهر و يخلص و ينمو.
و أنت قد شغلت بالأمور الثلاثة المذكورة في الخطاب المتقدم أو ببعضها.
فمن عقل عن اللَّه بلغ عقله إلى حد يأخذ العلم عن اللَّه من غير تعليم بشر في كل أمر أمر.
اعتزل أهل الدنيا إذ لم يبق له رغبة في الدنيا و أهلها و إنما يرغب فيما عند اللَّه من الخيرات الحقيقية و الأنوار الإلهية و الإشراقات العقلية و الابتهاجات الذوقية و السكينات الروحية.