الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٠٨ - بیان
نهج مستمر و نظام مستقر.
فإن ما يحدث في عالم الكون و الفساد إنما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخرة لله و نتائج بركاتها فهي تعلم أنه كلما كان كذا كان كذا[١] فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه فينتقش فيها ذلك الحكم و ربما تأخر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقية الأسباب لو لا ذلك السبب و لم يحصل لها العلم بذلك بعد لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب ثم لما جاء أوانه و اطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأول فيمحى عنها نقش الحكم السابق و يثبت الحكم الآخر مثلا لما حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا لأسباب تقتضي ذلك و لم يحصل لها العلم بتصدقه الذي سيأتي به قبيل ذلك الوقت لعدم اطلاعها على أسباب التصدق بعد ثم علمت به و كان موته بتلك الأسباب مشروطا بأن لا يتصدق فتحكم أولا بالموت و ثانيا بالبرء و إذا كانت الأسباب لوقوع أمر و لا وقوعه متكافئة و لم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد لعدم مجيء أوان سبب ذلك الرجحان بعد كان لها التردد في وقوع ذلك الأمر و لا وقوعه فينتقش فيها الوقوع تارة و اللاوقوع أخرى فهذا هو السبب في البداء[٢] و المحو و الإثبات و التردد و أمثال ذلك في
[١] . ضعف هذا الكلام غير خفيّ على أهل العلم و الصحيح في المقام ما سنذكره عن شيخنا الصدوق طاب ثراه قريبا و لا نحتاج إلى هذه التكلّفات أصلا. «ض. ع».
[٢] . اختلف العلماء في البدا اختلافا شديدا، فمنهم من أنكر كون البدا من مذهب الإماميّة كما عن المحقّق الطوسيّ في «نقد المحصل» و منهم من يقول: البدا هو من مذهبنا كما عن العلّامة المجلسي (رحمه اللّه) و منهم من قال: البدا من النسخ و غير ذلك من الأقوال و لكن ليس اختلافهم إلّا في اللفظ فقط، لأنّهم اتّفقوا على بطلان البدا بمعنى التغيير في حكمه تعالى و ظهور أمر بعد أن لم يكن و قالوا بأن البدا نعت لمن يتقلّب و اللّه تعالى منزّه عن التقلّب و التغيير و لذلك قالوا جميعا ما ورد في هذه الكلمة في الأخبار كما قالوا في اطلاق الرضا و الغضب و الأسف و النسيان على اللّه تعالى نحو:
«نسيناكم» ١ و «غضب اللّه عليه» ٢ و «رضي اللّه عنهم» ٣ و «فلما آسفونا انتقمنا» ٤ و قال الشعراني (رحمه اللّه) بعد تحقيق طويل له: فليس مفاد البدا الوارد في الأخبار إلّا ما اطبق عليه المسلمون بل سائر الملل و الأديان انّ للدعاء و الصدقة و التوجه إلى اللّه تعالى و التضرع و الإلحاح تأثيرا في دفع الشرّ و استجلاب الخير و ليس شيئا يختصّ بمذهب الشيعة و يؤكده قول الصادق (عليه السلام) «ما بعث اللّه نبيّا قطّ حتّى يقول بالبداء» و معناه أنّه لو لا الدعاء كان ينزل البلاء إلى أن قال:
[١] . السجدة/ ١٤
[٢] . النساء/ ٩٣
[٣] . المائدة/ ١١٩- و- التوبة/ ١٠٠- و- المجادلة/ ٢٢- و- البينة/ ٨
[٤] . الزخرف/ ٥٥.