الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٦٢ - بیان
فلا منافاة بين الحديثين في التقديم و التأخير.
أقبل توجه إلي و ترق إلى معارج الكمال باكتساب المقامات و الأحوال خلقا عظيما إذ به يقوم كل شيء بعد تقويم اللَّه تعالى إياه و كرمتك على جميع خلقي إذ هو وسيلة إفاضة نور الوجود على الجميع.
ثم خلق الجهل و هو جوهر نفساني ظلماني خلق بالعرض و بتبعية العقل من غير صنع فيه غير صنع العقل يقوم به كل ما في الأرض من الشرور و القبائح و هو بعينه نفس إبليس و روحه الذي به قوام حياته الذي تشعب منه أرواح الشياطين ثم خلقت من ظلماتها أرواح الكفار و المشركين من البحر الأجاج من المادة الجسمانية الظلمانية الكدرة التي هي منبع الشرور و الآفات في هذا العالم و هو إشارة إلى علته القابلية.
قال اللَّه تعالىوَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ[١] أي كان بناء العالم الجسماني و قوامه على المادة التي لها قبول كل خير و شر كالماء القابل للتشكلات المختلفة بسهولة فمنه عذب فرات و منه ملح أجاج
و قال أبو جعفر الباقر ع[٢] إن اللَّه تعالى قبل أن يخلق الخلق قال كن ماء عذبا[٣] أخلق منك جنتي و أهل
[١] . هود/ ٧.
[٢] . الكافي ٢: ٦.
[٣] . و لنورد مثالا لهذا المقام يقرب به معناه الى الأفهام، فنقول و باللّه التّوفيق:
مثال العقل «ضوء الشمس» اذا كان قائما بذاته.
و مثال الماء الذي خلق من عذبه أرواح السّعداء و من أجاجه نفوس الأشقياء جرم الأرض الّذي هو العلّة القابليّة في حدوث الأشعّة و الظّلال القابل لوقوعهما عليه لمحاذاة الضّوء و عدمها.
و مثال أرواح السّعداء الطّيبة المنشعبة من العقل بالذّات أشعة ذلك الضّوء الشّارقة على وجه الأرض على حسب استعدادات مواقعها.
و مثال نفوس الأشقياء الخبيثة الصّادرة من العقل بالعرض الظّلال المحدودة المتميّزة الواقعة على وجه الأرض بتبعيّة الأشعة و بقدر قابليّة مواضعها.
و مثال إدبار العقل من العالم العلوي الى العالم السّفلي الّذي هو عبارة عن تنزّلاته نفسا ثمّ طبيعة ثمّ صورة ثمّ مادة وقوع الأشعة من الضوء على الأرض الأول فالثانى فالثالث فالرابع.
و مثال إقبالها الى العالم العلوي الذي هو عبارة عن معارجه جسما ثمّ نباتا ثمّ حيوانا ثمّ عقلا بمراتبه الأربع رجوع الأشعة الى الضوء و اتّحادهما معه كما كان على عكس ترتيب الوقوع.
و مثال الجهل الظّلمة الواقعة فيما لا يصلح من الأرض لقبول الشعاع أصلا لحجاب ذاتي و كدورة أصلية.
و مثال إدبار الجهل ازدياد الظّلمة شيئا فشيئا بحسب بعدها من الضّوء بسبب تنزّلات العقل و معارجه المشار اليهما.
و مثال عدم اقباله بقائه على الظلمة المتأكدة المنتهية إلى الغاية- منه رحمه اللّه.