الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٢٨ - بیان
بيان
السر في تفاوت النفوس في الخير و الشر و اختلافها في السعادة و الشقاوة هو اختلاف الاستعدادات و تنوع الحقائق فإن المواد السفلية بحسب الخلقة و الماهية متباينة في اللطافة و الكثافة و أمزجتها مختلفة في القرب و البعد من الاعتدال الحقيقي و الأرواح الإنسية التي بإزائها مختلفة بحسب الفطرة الأولي في الصفاء و الكدورة و القوة و الضعف مترتبة في درجات القرب و البعد من اللَّه تعالى لما تقرر و تحقق أن بإزاء كل مادة ما يناسبها من الصور فأجود الكمالات لأتم الاستعدادات و أخسها لأنقصها كما أشير إليه بقوله ع.
الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام.
فلا يمكن لشيء من المخلوقات أن يظهر في الوجود ذاتا و صفة و فعلا إلا بقدر خصوصية قابليته و استعداده الذاتي و وجه آخر و هو أنه قد ثبت أن لله عز و جل صفات و أسماء متقابلة هي من أوصاف الكمال و نعوت الجلال و لها مظاهر متباينة بها يظهر أثر تلك الأسماء فكل من الأسماء يوجب تعلق إرادته سبحانه و قدرته إلى إيجاد مخلوق يدل عليه من حيث اتصافه بتلك الصفة فلذلك اقتضت رحمة اللَّه جل و عز إيجاد المخلوقات كلها لتكون مظاهر لأسمائه الحسنى و مجالي لصفاته العليا.
مثلا لما كان قهارا أوجد المظاهر القهرية التي لا يترتب عليها إلا أثر القهر من الجحيم و ساكنيه و الزقوم و متناوليه و لما كان عفوا غفورا أوجد مجالي للعفو و الغفران يظهر فيها آثار رحمته و قس على هذا فالملائكة و من ضاهاهم من الأخيار و أهل الجنة مظاهر اللطف و الشياطين و من والاهم من الأشرار و أهل النار مظاهر القهر و منهما تظهر السعادة و الشقاوة فمنهم شقي و سعيد فظهر أن لا وجه لإسناد الظلم و القبائح إلى اللَّه سبحانه لأن هذا الترتيب و التمييز من وقوع فريق في طريق اللطف و آخر في طريق القهر من ضروريات الوجود و الإيجاد و من مقتضيات الحكمة و العدالة و من هنا قال بعض العلماء ليت شعري لم لا ينسب الظلم إلى الملك المجازي حيث يجعل بعض من تحت تصرفه وزيرا قريبا و بعضهم كناسا بعيدا لأن كلا منهما من ضروريات مملكته