الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥ - المقدمة الأولى في التنبيه على طريق معرفة العلوم الدينية
و طالعوا كتبهم التي صنفوها في أصول الفقه التي دونوها لتسهيل اجتهاداتهم التي عليها مدار أحكامهم فاستحسنوا بعضا و استهجنوا بعضا أداهم ذلك إلى أن صنفوا في ذلك العلم كتبا إبراما و نقضا و تكلموا فيها تكلم العامة فيه من الأشياء التي لم يأت بها الرسول ص و لا الأئمة المعصومون ص و كثروا بها المسائل و لبسوا على الناس طرق الدلائل.
و كانت العامة قد أحدثوا في القضايا و الأحكام أشياء كثيرة بآرائهم و عقولهم في جنب اللَّه و اشتبهت أحكامهم بأحكام اللَّه و لم يقنعوا بإبهام ما أبهم اللَّه و السكوت عما سكت اللَّه بل جعلوا لله شركاء حكموا كحكمه فتشابه الحكم عليهم بل لله الحكم جميعا و إليه ترجعون[١] و سيجزيهم اللَّه بما كانوا يعملون[٢].
ثم لما كثرت تصانيف أصحابنا في ذلك و تكلموا في أصول الفقه و فروعه باصطلاحات العامة اشتبهت أصول الطائفتين و اصطلاحاتهم بعضها ببعض و انجر ذلك إلى أن التبس الأمر على طائفة منهم حتى زعموا جواز الاجتهاد و الحكم بالرأي و وضع القواعد و الضوابط لذلك و تأويل المتشابهات بالتظني و الترئي و الأخذ باتفاق الآراء و تأيد ذلك عندهم بأمور أحدها ما رأوه من الاختلاف في ظواهر الآيات و الأخبار التي لا تتطابق إلا بتأويل بعضها بما يرجع إلى بعض و ذلك نوع من الاجتهاد المحتاج فيه إلى وضع الأصول و الضوابط.
و الثاني ما رأوه من كثرة الوقائع التي لا نص فيها على الخصوص مع مسيس الحاجة إلى معرفة أحكامها.
و الثالث ما رأوه من اشتباه بعض الأحكام و ما فيه من الإبهام الذي لا ينكشف و لا يتعين إلا بتحصيل الظن فيه بالترجيح و هو عين الاجتهاد.
فأولوا الآيات و الأخبار الواردة في المنع من الاجتهاد و العمل بالرأي بتخصيصها
[١] . مقتبس من آيات: منها في سورة القصص آية ٧٠- و- ٨٨ حيث قال تعالى: لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.*.
[٢] . مقتبس من آيات: منها في سورة الأعراف آية ١٨٠ حيث قال تعالى: ... سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ..