الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٠٩ - بیان
أمور العالم و أما نسبة ذلك كله إلى اللَّه تعالى فلأن كل ما يجري في العالم الملكوتي إنما يجري بإرادة اللَّه تعالى بل فعلهم بعينه فعل اللَّه سبحانه حيث إنهملا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَإذ[١] لا داعي لهم على الفعل إلا إرادة اللَّه جل و عز لاستهلاك إرادتهم في إرادته تعالى و مثلهم كمثل الحواس للإنسان كلما هم بأمر محسوس امتثلت الحاسة لما هم به و إرادته دفعة فكل كتابة تكون في هذه الألواح و الصحف فهو أيضا مكتوب اللَّه عز و جل بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأول فيصح أن يوصف اللَّه عز و جل[٢] بأمثال ذلك بهذا الاعتبار و إن كان مثل هذه الأمور يشعر بالتغير و السنوح و هو سبحانه منزه عنه فإن كل ما وجد أو سيوجد فهو غير خارج عن عالم ربوبيته نظير ذلك ما مضى في الحديث في باب تأويل ما يوهم التشبيه من أن
- إنّه لا بدّ من تأويل لفظ البدا فأحسن التأويلات ما ذكره الصدوق (عليه الرحمة) في كتاب «التوحيد» ثم ذكر شطرا من كلماته و أشار الى كلمات جمع لا يسعنا ذكرها في المقام و حيث انّ كلمات شيخنا الصدوق طاب ثراه يغنينا عن كلماتهم أوردناها بعين ألفاظها فهو قال:
ليس البدا كما يظنّه جهال الناس بأنّه بدا ندامة «تعالى اللّه عن ذلك» و لكن يجب علينا أن نقرّ للّه عزّ و جلّ بأن له البدا معناه أن له ان يبدأ بشيء من خلقه فيخلقه قبل شيء ثمّ يعدم ذلك الشيء و يبدأ بخلق غيره أو يأمر بأمر ثمّ ينهى عن مثله أو ينهى عن شيء ثمّ يأمر بمثل ما نهى عنه و ذلك مثل نسخ الشرائع و تحويل القبلة و عدة المتوفى عنها زوجها و لا يأمر اللّه عزّ و جلّ عباده بأمر في وقت ما إلّا و هو يعلم أن الصلاح لهم في ذلك الوقت في أن يأمرهم بذلك و يعلم أن في وقت آخر الصلاح لهم في أن ينهاهم عن مثل ما أمرهم به فإذا كان ذلك الوقت أمرهم بما يصلحهم.
فمن أقرّ اللّه عزّ و جلّ بأن له أن يفعل ما يشاء و يعدم ما يشاء و يخلق مكانه ما يشاء و يقدم ما يشاء و يؤخر ما يشاء و يأمر بما شاء كيف شاء فقد أقرّ بالبداء و ما عظم اللّه عزّ و جلّ بشيء أفضل من الإقرار بأن له الخلق و الأمر و التقديم و التأخير و اثبات ما لم يكن و محو ما قد كان و البدا هو ردّ على اليهود لأنّهم قالوا انّ اللّه قد فرغ من الأمر فقلنا انّ اللّه كلّ يوم في شأن، يحيي و يميت و يرزق و يفعل ما يشاء. و البدا ليس من ندامة و انّما هو من ظهور أمر تقول بدا لي شخص في طريقي أي ظهر قال اللّه عزّ و جلّ وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ٣ أي ظهر لهم و متى ظهر اللّه تعالى ذكره من عبد صلة لرحمه زاد في عمره و متى ظهر له منه قطيعة لرحمه نقص من عمره و متى ظهر له من عبد إتيان الزنا نقص من رزقه و عمره و متى ظهر له منه التعفّف عن الزنا زاد في رزقه و عمره و من ذلك قول الصادق (عليه السلام) «ما بدا اللّه بداء كما بدا له في إسماعيل ابني» يقول ما ظهر للّه أمر كما ظهر له في إسماعيل ابني إذا اخترمه قبلي ليعلم بذلك انه ليس بامام بعدي و قد روى لي من طريق أبي الحسين الأسدي (رضي اللّه عنه) في ذلك شيء غريب و هو انه روى عن الصادق (عليه السلام) قال ما بدا للّه بدا كما بدا له في إسماعيل أبي إذا أمر أباه إبراهيم بذبحه ثمّ فداه بذبح عظيم و في الحديث على الوجهين جميعا عندي نظر إلّا أنّي أوردته لمعنى لفظ البدا و اللّه الموفق للصواب انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه. «ض. ع».
[١] . اشارة الى سورة التحريم/ ٦.
[٢] . عزّ و جلّ نفسه بأمثال، ق.
[٣] . الزمر/ ٤٧