الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠١ - بیان
القرب من اللَّه سبحانه فكيف الذنوب المورثة لاستحقاق المقت و العقوبة إن الدنيا طالبة طالبية الدنيا عبارة عن إيصالها الرزق المقدر إلى من هو فيها ليكونوا فيها إلى الأجل المقرر و مطلوبيتها عبارة عن سعي أبنائها لها ليكونوا على أحسن أحوالها و طالبية الآخرة عبارة عن بلوغ الأجل و حلول الموت لمن هو في الدنيا ليكونوا فيها و مطلوبيتها عبارة عن سعي أبنائها لها ليكونوا على أحسن أحوالها.
و لا يخفى أن الدنيا طالبة بالمعنى المذكور لأن الرزق فيها مقدر مضمون يصل إلى الإنسان لا محالة طلبه أو لاوَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها[١] و إن الآخرة طالبة أيضا لأن الأجل مقدر كالرزق مكتوبقُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا[٢].
لا تُزِغْ قُلُوبَناالزيغ هو العدول عن الطريق و رداها الردى الهلاك لم يخف اللَّه من لم يعقل عن اللَّه أي من لم يأخذ علمه عن اللَّه كالأنبياء و الأوصياء و كل من اقتبس من أنوارهم و ذلك لأن غيرهم إما مقلد محض كالعامي أو جدلي ظان كالكلامي و كل منهما لم يعرف أن الذي يصل إليه يوم القيامة إنما هو من نتائج أخلاقه و تبعات أعماله التي لا تنفك عنها للعلاقة الذاتية بين الأشياء و أسبابها فلم يخش اللَّه حق خشيته.
وإِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ[٣] أهل اليقين و البرهان و أهل الكشف و العيان فإنهم العارفون بأن الآخرة إنما تنشأ من الدنيا على الإيجاب و اللزوم علما قطعيا من غير تخمين و جزاف فهؤلاء هم الذين عقدت قلوبهم على معرفة ثابتة غير قابلة للزوال.
و لا يكون أحد كذلك أي عالما ربانيا عاقلا عن اللَّه إلا من كان قوله لفعله مصدقا أي لا يدل قوله على خلاف ما يدل عليه فعله إلا بظاهر منه كالفعل و ناطق عنه كالقول.
أفضل من العقل أي أفضل ما يتقرب به العبد إلى اللَّه هو تكميل العقل
[١] . هود/ ٦.
[٢] . الأحزاب/ ١٦.
[٣] . فاطر/ ٢٨.