تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٩٨
ساق وسياق» ، يقال : قامت الحرب على ساق ، أي على شدّة ، ومنه قوله سبحانه : «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ» [١] والسِّياق : نَزْع الروح ، يقال : رأيت فلاناً يسوق ، أي ينزع عند الموت ، أو يكون مصدر ساق الماشية سوقاً وسياقاً . «ولَحاق وفراق» ، اللام مفتوحة ، مصدر لَحق به ، وهذا كقولهم : «الدّنيا مولود يولَد ، ومفقود يفقَد» . قال عليه السلام : «قد تحيّرَت مذاهبها» ، أي تحيّر أهلها في مذاهبهم ، وليس يعني بالمذاهب هاهنا الاعتقادات ، بل المسالك . وأعجزت مهاربها : أي أعجزتهم جعلتهم عاجزين ، فحذف المفعول . وأسلمتهم المعاقل : لم تحصّنهم . ولفَظَتهم ، بفتح الفاء : رَمَتْ بهم وقذفتهم . وأعيتهم المحاول ، أي المطالب . ثم وصف أحوال الدنيا فقال : «هم فمِن ناجٍ معقور» ، أي مجروح كالهارب من الحرب بحشاشة نفسه ، وقد جرح بدنه . ولحم مجزور ، أي قتيل قد صار جَزَرا للسباع . وشِلْوٍ مذبوح : الشِّلْو ، العضو من أعضاء الحيوان المذبوح أو الميّت . ودم مفسوح ، أي مسفوك . وعاضٍّ عَلَى يديه ، أي ندماً . وصافقٍ بكفَّيْه ، أي تعسفاً أو تعجباً . ومرتفق بخدّيه : جاعل لهما عَلَى مرفقيه فكرا وهمّا . وزارٍ على رأيه ، أي عائب ، أي يرى الواحد منهم رأياً ويرجع عنه ويعيبه ، وهو البَداء الذي يذكره المتكلّمون . ثم فسّره بقوله : «وراجع عن عزمه» . ثم قال عليه السلام : «وقد أدبرت الحيلة» ، أي ولّت ، وأقبلت الغِيلة ، أي الشرّ ، ومنه قولهم : فلان قليل الغائلة . أو يكون بمعنى الاغتيال ، يقال : قتله غيلة ، أي خديعة . يذهب به إلى مكان يوهمه أنه لحاجة ثم يقتله . «ولاتَ حين مناص» ، هذه من ألفاظ الكتاب العزيز [٢] ، قال الأخفش : شبّهوا «لات» بليس ، وأضمروا فيها اسم الفاعل . والمناص : المهرب ، ناص عن قرْنه يَنُوص نَوْصاً ومناصاً ، أي ليس هذا وقت الهرب والفرار . ويكون المناص أيضاً بمعنى الملجأ والمفزع ، أي ليس هذا حين تجد مفزعاً ومعقلاً تعتصم به . هيهات : اسم للفعل ومعناه بَعُد . قوله عليه السلام : «ومضت الدنيا لحال بالِهَا» ، كلمة تقال فيما انقضى وفرط أمره ، ومعناه مضى بما فيه إن كان خيراً ، وإن كان شرّا . قوله عليه السلام : «فما بكت عليهم السماء» ، هو من كلام اللّه تعالى ؛ والمراد أهل السماء وهم الملائكة وأهل الأرض وهم البشر ، والمعنى أنّهم
[١] سورة القلم ٤٢ .[٢] وهو قوله تعالى في سورة ص ٣ : «وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ» .