تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٤٤
. غَرِيبَةُ الاْءِبلِ [١] .
الشّرْحُ:
قال عمرو بنُ العاصِ لمعاوية : ما بقيَ من لذّتك ؟ فقال : ما من شيء يُصيبُه الناس من اللّذّة إلاّ وقد أصبتُه حتى مَللتُه ، فليس شيءٌ عندي اليوم ألذّ من شربةِ ماءٍ بارد في يومٍ صائف ، ونظري إلى بَنِيَّ وبناتي يَدرُجون حولي ؛ فما بقيَ من لذّتك أنت ؟ فقال : أرضٌ أغرسُها وآكُلُ ثمرتها ، لم يبق لي لذّة غير ذلك . فالتفت معاويةُ إلى وَرْدان غلام عَمْرو ، فقال : فما بقي من لذّتك يا وُريْد ؟ فقال : سرورٌ أُدخِله قلوب الإخوان ، وصنائعُ أعتقِدُها في أعناق الكرام ؛ فقال معاوية لعَمْرو : تَبّا لمجلسي ومجلسك! لقد غلبني وغلبك هذا العبد ، ثم قال : يا وَرْدان ، أنا أحقُّ بهذا منك ؛ قال : قد أمكنتك فافعَلْ . فإن قلت : السرور عَرَضٌ ، فكيف يَخلُق اللّه تعالى منه لُطْفا؟ قلت : ( مِنْ ) هاهنا هي مِثلُ «مِن» في قوله : «وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُون» [٢] ، أي عِوَضاً منكم .
٢٥٥
الأصْلُ:
.إِذَا أَمْلَقْتُمْ فَتَاجِرُوا اللّه َ بِالصَّدَقَةِ [٣] .
[١] يروحوا : من الرواح ، وهو السير بعد الظُّهر ، ويستعمل في مطلق الذهاب والمضي . المكارم : المحاسن والفضائل . يدلجوا : من الإدلاج ، وهو السير في أول الليل . والمعنى : أوصِ أهلك أن يواصلوا أعمال الخير ، فرواحهم في الإحسان وإدلاجهم في قضاء الحوائج ، وإن نام عنها أربابها . غريبة الإبل : وهي الناقة تدخل مرعىً لغير صاحبها فيطردها منه . وقيل هذه استعارةٌ ، والمراد : من أعان أخاه المسلم عند اضطراره ، دفع اللّه عنه البلاءَ عند اضطراره ورزقه من حيث لا يحتسب .[٢] سورة الزخرف ٦٠ .[٣] أملقتم : افتقرتم . فتجاروا اللّه : أي عاملوه كما يتعامل أهل التجارة ؛ يخرج أحدهم ماله إلى صاحبه ليربح في عوضه ، وهو مأخوذ من قوله تعالى : « وما أنفقتم من شيءٍ فهو يخلفه » سورة البقرة ٢٦٨ .