تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣١٨
.ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية نَفْسِكَ ، وَنَازِعِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ ، وَاصْرِفْ إِلَى الآخِرَةِ وَجْهَكَ ، فَهِيَ طَرِيقُنَا وَطَرِيقُكَ ، وَاحْذَرْ أَنْ يُصِيبَكَ اللّه ُ مِنْهُ بِعَاجِلِ قَارِعَةٍ تَمَسُّ الْأَصْلَ ، وَتَقْطَعُ الدَّابِرَ ، فَإِنِّي أُولِي لَكَ بِاللّه ِ أَلِيَّةً غَيْرَ فَاجِرَةٍ ، لَئِنْ جَمَعَتْنِي وَإِيَّاكَ جَوَامِعُ الْأَقْدَارِ لاَ أَزَالُ بِبَاحَتِكَ ؟ «حَتَّى يَحْكُمَ اللّه ُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ» .
الشّرْحُ:
قال عليه السلام : «إن اللّه قد جعل الدنيا لما بعدها» ، أي جعلها طريقا إلى الآخرة . ومن الكلمات الحكميّة : الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها . «وابتلى فيها أهلها» : أي اختبرهم ليعلم أيهم أحسنُ عملاً ، وهذا من ألفاظ القرآن العزيز [١] ، والمراد ليعلم خلقه ، أو ليعلم ملائكته ورُسُله ، فحذف المضاف ، وقد سبق ذكر شيء يناسب ذلك فيما تقدّم . قال : «ولسنا للدنيا خُلِقْنا» ، أي لم نخلق للدنيا فقط . «ولا بالسعي فيها أُمرنا» ، أي لم نؤمر بالسعي فيها لها ، بل أُمِرْنا بالسعي فيها لغيرها . ثمّ ذكر أنّ كلّ واحد منه ومن معاوية مُبتلىً بصاحبه ، وذلك كابتلاء آدم بإبليسَ وإبليسَ بآدم . قال : «فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن» ، أي تعدّيت وظلمت ، و « على» هاهنا متعلّقة بمحذوف دلّ عليه الكلام ، تقديرُه مثابرا على طلب الدنيا ، أو مصرّا على طلب الدنيا ، وتأويل القرآن ما كان معاوية يموّه به على أهل الشام فيقول لهم : أنا وليّ عثمان ، وقد قال اللّه تعالى : «ومن قُتِلَ مَظْلوما فَقَدْ جَعَلْنا لوليّه سلطاناً» [٢] . ثم يَعِدُهم الظفر والدولة على أهل العراق بقوله تعالى : «فلا يُسرِفْ في القتْلِ إنه كانَ مَنْصورا» [٣] . قوله : «وعصبته أنت وأهل الشام» ، أي ألزمتنيه كما تلزم العصابة الرأس . «وألّب عالمكم جاهلَكم» ، أَيّ حرّض . والقيادة : حبل تقاد به الدابّة . «واحذر أن يصيبك اللّه ُ منه بعاجل قارعة» ، الضمير في «منه» راجعٌ إلى اللّه تعالى ، و «مِن» لابْتداء الغاية . «تمسّ الأصل» ، أي تقطعه ، ومنه ماء ممسوس أي يقطع الغُلّة . ويقطَع الدابر أي العقب والنسل .
[١] في قوله تعالى في سورة الكهف ٧ : «إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» .[٢] سورة الإسراء ٣٣ .[٣] المصدر السابق .