تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٥٤
لم يَشربه . ولا خلافَ في أنه سمعَ الغناء وطرِب عليه ، وأعطى وَوصل عليه أيضا . أمّا قوله : «يشين الكريمَ بمجلسه ، ويسفّه الحليمَ بخلْطته» ، فالأمر كذلك ، فإنه لم يكن في مجلسه إلاّ شتْم بني هاشم وقَذْفُهم ، والتعرّضُ بذكر الإسلام ؛ والطعن عليه ، وإن أظهر الانتماء إليه . وأمّا طلب عمرو فَضْله واتباعه أثره اتباعَ الكلب للأسد فظاهر ، ولم يقل : الثعلب غضّا من قدر عَمرو ، وتشبيها له بما هو أبلغُ في الإهانة والاستخفاف . ثم قال : «ولو بالحقّ أخذتَ أدركت ما طلبت» ، أي لو قعدتَ عن نصرِه ولم تَشخص إليه ممالئا به على الحقّ لوَصَل إليك من بيت المال قدر كفايتك . فالأولى أن يقال : معناه لو أخذتَ بالحقّ أدركت ما طلبت من الآخرة . فإن قلت: إن عَمْراً لم يكن عليّ عليه السلام يَعتقِد أنه من أهل الآخرة ، فكيف يقول له هذا الكلام؟ قلت : لا خَلَل ولا زَلَل في كلامه عليه السلام ؛ لأنّه لو أخذ بالحقّ لكان معتقدا كونَ عليّ عليه السلام على الحقّ باعتقاده صحّة نبوّة رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وصحّة التوحيد ، فيصير تقديرُ الكلام : لو بايعتَني معتقدا للزوم بَيْعتي لك لكنتَ في ضِمن ذلك طالبا الثواب ، فكنت تدرِكه في الآخرة . ثم قال مهدّدا لهما ، ومتوعّدا إياهما : «فإن يُمكِن اللّه ُ منك ومن ابن أبي سفيان » ، وأقول : لو ظفر بهما لما كان في غالب ظنّي يقتلهما ، فإنّه كان حليما كريما ، ولكن كان يَحبسهما ليَحسِم بحبسهما مادّة فسادِهما . ثم قال : «وإن تُعجزا وتبقيا» ، أي وإن لم أستطع أخذكما أو أمُتْ قبلَ ذلك وبقيتُما بعدي فما أمامَكما شرّ لكما من عقوبة الدنيا ؛ لأنّ عذاب الدنيا منقطِع ، وعذاب الآخرة غيرُ منقطع . وذكر نصرُ بن مزاحم في كتاب «صِفّين» هذا الكتاب بزيادةٍ لم يذكرْها الرّضيّ . قال نصرُ : وكتب عليّ عليه السلام إلى عَمرو بن العاص : «من عبدِ اللّه عليٍّ أمير المؤمنين إلى الأبتر بن الأبتر عمرو بن العاص بن وائل ، شانئ محمدّ وآلِ محمّد في الجاهليّة والإسلام ، سلامٌ على من اتّبع الهدى ، أمّا بعد ، فإنّك تركتَ مروءتك لامرئ فاسق مهتوك ستره ، يشينُ الكريمَ بمجلسه ، ويسفّه الحليمَ بخلطته ، فصار قلبُك لقلبه تَبَعا ، كما قيل : «وافَقَ شنٌّ طَبَقة» ، فسلَبك دينَك وأمانتكَ ، ودنياك وآخرتَك ، وكان علمُ اللّه بالغا فيك ، فصرت كالذئب يتبع الضّرغام إذا ما الليل دَجَى ، أو أَتى الصبح يلتمس فاضل سؤْره ، وحَوايَا فريسته ، ولكن لا نجاةَ من القَدَر ، ولو بالحقّ أخذتَ لأدركت ما رجوتَ ، وقد رَشد من كان الحقّ قائدَه ، فإن يُمَكِن اللّه منك ومِن ابن آكلة الأكباد ألحقتكما بمن قتله اللّه من