تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٦٩
يَكسِب الإنسانَ الطّاعة في حَياته ، أي مَنْ كان عالما كان للّه تعالى مُطيعا ، كما قال سبحانه : «إنّمَا يَخْشَى اللّه َ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاء» [١] . ثم قال : «وجميل الأُحدوثة بعد وفاتِه » ، أي الذّكر الجميل بعد مَوْتِه . ثم شرع في تفضيل العِلم على المال من وجهٍ آخَر ، فقال : «العلمُ حاكِم ، والمال محكومٌ عليه » ، وذلك لعِلْمك أنّ مَصلحَتَك في إنفاق هذا المال تُنفّقه ، ولِعِلمك بأنّ المصلحة في إمساكه تمسّكه ، فالعِلم بالمصلحة داعٍ ، وبالمَضَرّة صارف ؛ وهما الأمْران الحاكمان بالحَرَكات والتصرّفات إقداما وإحْجاما ، ولا يكون القادر قادرا مختارا إلاّ باعتبارهما ؛ وليسا إلاّ عبارةً عن العِلم أو ما يجري مَجرَى العِلم من الاعتقاد والظّنّ ، فإذَنْ قد بان وظهرَ أن العلم من حيثُ هُوَ علمٌ حاكم ، وأنّ المال ليس بحاكم ، بل محكوم عليه . ثم قال عليه السلام : «هَلك خُزّان المال وهم أحياء» ؛ وذلك لأنّ المالَ المخزون لا فرق بينه وبين الصّخرة المدفونة تحتَ الأرض ، فخازِنه هالك لا مَحالَة ؛ لأنّه لم يلتذّ بإنفاقه ، ولم يَصرِفْه في الوجوه الّتي نَدَب اللّه ُ تعالى إليها ، وهذا هو الهلاك المَعْنَويّ ، وهو أعظمُ من الهلاك الحِسّيّ . ثم قال : «والعلماءُ باقون مابقيَ الدهر» ، هذا الكلامُ له ظاهر وباطن ، فظاهرُه قولُه : « أعيانُهم مفقودة ، وأمثالُهم في القلوب موجودة» ، أي آثارُهم وما دَوّنوه من العُلوم ، فكأنّهم موجودون ، وباطنه أنّهم موجودون حقيقةً لا مَجازا ، على قولِ مَن قال ببقاء الأنْفس . وأمثالهم في القلوب : كنايةٌ ولُغز ، ومعناه ذواتُهم في حظيرة القُدّوس ، والمُشارَكة بينها وبين القلوب ظاهرة ؛ لأنّ الأمر العامَّ الّذي يَشمَلُهما هو الشّرف ، فكما أنّ تلك أشرَفُ عالَمها ، كذا القلبُ أشرَفُ عالمه ، فاستُعير لفظُ أحدِهما وعُبِّر به عن الآخر . قوله عليه السلام : «ها إنّ هاهنا لَعِلما جَمّا ، وأشار بيَدِه إلى صدره» ، هذا عندي إشارةٌ إلى العِرْفان والوُصول إلى المقام الأشرَف الّذي لا يصل إليه إلاّ الواحد الفَذّ من العالَم ممّن للّه تعالى فيه سرّ ، وله به اتّصال . ثم قال : «لو أصبت له حَمَلةً !» ، ومن الّذي يُطيق حَمْله ! بل مَن الذي يُطِيق فهمَه فضلاً عن حَملِه ! ثم قال : «بلى أُصيب» . ثمّ قسّم [ الذين ] يصيبهم خمسةَ أقسام :
[١] سورة فاطر ٢٨ .[٢] هذا الكلام الذي قاله أمير المؤمنين عليه السلام لكميل رحمه الله ، قد تواتر نقله عن أهل السنّة والشيعة ، فمن السنّة ، ابن عبد ربّه الأندلسي في العقد الفريد ٢:٦٩ ، وأبو هلال العسكري في ديوان المعاني ١:٤١ ، وابن الجوزي في تذكرة الخواص : ص ١٤١ ، وأبو جعفر الإسكافي في المعيار والموازنة . ومن الشيعة رواه الكليني في الكافي ١:١٧٨ ح٧ ، والصدوق في كمال الدين : ص ٢٨٩ / ح٢ و ٣٠٢ / ح١٠ ، والشيخ المفيد في الإرشاد : ص ١٢٢ . وغيرهم . وأمّا قول الشارح ابن أبي الحديد : ( وهذا يكاد يكون تصريحا بمذهب الإمامية وأصحابنا يحملونه على أن المراد به الأبدال ... الخ) . أقول : إن تأويله أو صرفه النصّ إلى الأبدال ورؤساء الصوفية ، أهل الشطح والتخيّلات البعيدة عن معاهد العلم والقرآن والسنّة ، فقول بعيد أجراه على هواه ومذهب أصحابه ، فلا يلتفت إليه . ثمّ من هؤلاء الأبدال الذين يتبجح بذكرهم ؟ هل هم من الجن أم من الملائكة أم ماذا؟ «إن هي الاّ أسماء سمّيتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللّه بها من سلطان» سورة النجم ٢٣ . ولماذا لم يحمل أخبار الأبدال على أهل بيت النبي صلى الله عليه و آله وسلم الأئمة الاثني عشر عليه السلام كما هي القاعدة من حمل المجمل على المفصّل ، والمشكوك على المتيقّن ؟ وما يفعل بقوله عليه السلام : «اِما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا» . فأي بدل من أولئك الأبدال كان ظاهرا مشهورا ؟ وأيهم كان خائفا مغمورا ؟ وكيف ، وكلامه عليه السلام يشمل الأنبياء عليهم السلام ! مثل قوله عليه السلام : «لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة» ، ومعلوم أن الأنبياء من القائمين للّه بحجّة بلا خلاف . فلابد أن المراد بالحجة هم الأنبياء ، ومن كان بمنزلتهم من أوصيائهم المعصومين ، ولم يكن بعد نبيّنا صلى الله عليه و آله وسلم من يكون مثله في عصمته وعلمه ومنزلته ، ومن تقوم به الحجة سوى الأئمة الاثني عشر من أهل بيته عليهم السلام بإجماع الأُمّة . نهج الصباغة في شرح نهج البلاغة للعلاّمة التستري ٢:٥١٦ ـ ٥٢٠ بتصرّف .[٣] سورة البقرة ٣٠ .[٤] سورة الأنعام ١٦٥ .