تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٨٩
بنيانهم فوق بنيانهم ، وأعلى رؤوسهم فوق رؤوسهم ، واختارهم عليهم ! أَلا إنّ الذريّة أفنانٌ أنا شجرتها ، ودوحةٌ أنا ساقها ، وإنّى مِن أحَمدَ بمنزلة الضّوء من الضّوء ، كنّا ضلالاً تحت العرش قبل خلق البشر ، وقبل خلق الطِّينة التي كان منها البشر ، أشباحا عالية ، لا أجساما نامية ، إنّ أمرنا صعب مستصعَب ، لا يعرِف كنهه إلاّ ثلاثة : ملَك مقرّب ، أو نبيٌّ مرسَل ، أو عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان ، فإذا انكشف لكم سرٌّ أو وضح لكم أمر فاقبلوه ، وإلاّ فاسكُتوا تسلموا ، وردُّوا علمَنا إلى اللّه فإنّكم في أوسع مما بين السماء والأرض » . وخامسها : قوله : «سلُوني قبل أن تفقِدوني» ، أجمع النّاس كلُّهم على أنه لم يقلْ أحد من الصحابة ، ولا أحد من العلماء : «سلوني» غير عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، ذكر ذلك ابن عبد البر المحدّث في كتاب «الاستيعاب» [١] . والمراد بقوله : «فلأنا أعلم بطرُق السماء منّي بطرق الأرض» ، ما اختصّ به من العلم بمستقبل الأُمور ، ولا سيّما في الملاحم والدّول ، وقد صدّق هذا القولَ عنه ما تواتر عنه من الإخبار بالْغيوب المتكرّرة ، لا مرة ولا مئة مرة ، حتى زال الشكّ والرّيب في أنه إخبار عن علم ، وأنه ليس على طريق الاتفاق .
٢٣٦
الأصْلُ:
.ومن خطبة له عليه السلام أَحْمَدُهُ شُكْراً لاِءِنْعَامِهِ ، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى وَظَائِفِ حُقُوقِهِ ، عَزِيزَ الْجُنْدِ ، عَظِيمَ الْمَجْدِ . وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ ، وَقَاهَرَ أَعْدَاءَهُ جِهَاداً عَنْ دِينِهِ ، لاَ يَثْنِيهِ عَنْ ذلِكَ اجْتَِماعٌ عَلى تَكْذِيبِهِ ، وَالِْتمَاسٌ لاِءِطْفَاءِ نُورِهِ .
[١] صحيح البخاري ٢:١٣٤ ، ومسلم ٣:١٤٨٩ ح٨٥ . وسنن الترمذي ٤:١٤٨ ، ح١٥٩٠ وغيرهم ووسائل الشيعة ، الحرّ العاملي ٥:١٠٢ . وقيل : إن المراد منه ، لا هجرة بعد فتح مكّة لأنها صارت دار الإسلام أبداً .[٢] صرّح كثير من فقهائنا ؛ بأنّ الهجرة باقية مادام الكفر باقياً ، أو الشرك قائماً ، واستدلّ له بعدة أدلة منها قوله عليه السلام : « لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها » . انظر : شرايع الإسلام ، للمحقق الحلي ١:٢٣٤ ، والمبسوط ، للطوسي ٣:٤ ، مجمع الفائدة ، ٧:٤٤٧ مسند أحمد ١:١٩٢ .[٣] سورة الحجرات ٣ .[٤] سورة الطور ٢١ .[٥] الاستيعاب في معرفة الأصحاب : القسم الثالث .