تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١١
قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «ولا أنا إلاّ أن يتداركَني اللّه برحمته» . ومنها قوله عليه السلام : «أخرجنا مما كنا فيه ، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى ، وأعطانا البصيرة بعد العمى» ، ليس هذا إشارة إلى خاصّ نفسه عليه السلام ؛ لأنّه لم يكن كافراً فأسلم ، ولكنه كلام يقوله ويشير به إلى القوم الذين يخاطبهم من أفْناء الناس ، فيأتي بصِيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسُّعا ، ويجوز أن يكون معناه : لولا ألطافُ اللّه تعالى ببعثة محمد صلى الله عليه و آله وسلم لكنتُ أنا وغيري على أصلِ مذهب الأسلاف من عبادة الأصنام ، كما قال تعالى لنبيه : «وَوَجَدَكَ ضالاًّ فَهَدَى» [١] ، ليس معناه أنّه كان كافراً ، بل معناه : لولا اصطفاء اللّه تعالى لك لكنت كواحدٍ من قومك . ومعنى «ووجدك ضالاًّ» ، أي ووجدك بعُرْضة للضلال ، فكأنه ضالّ بالقوّة لا بالفعل .
٢١١
الأصْلُ:
.ومن كلام له عليه السلام اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْش وَمَنْ أَعَانَهُمْ ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَأَكْفَؤُوا إِنَائِي ، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي ، وَقَالُوا : أَلاَ إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ ، وَفِي الْحَقِّ أَنْ تُمْنَعَهُ ، فَاصْبِرْ مَغْمُوماً ، أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً . فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ ، وَلاَ ذَابٌّ وَلاَ مُسَاعِدٌ ، إِلاَّ أَهْلَ بَيْتِي ؛ فَضَنَنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَنِيَّةِ ، فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى ، وَجَرِعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا ، وَصَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ ، وَآلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وخْزِ الشِّفَارِ .
[١] سورة آل عمران ١٥٩ .[٢] بل هذا من قبيل هضم النفس ـ دون أدنى شك ـ وليس بنفي العصمة ، والاستثناء يؤيد ذلك ، لا أدفع ذلك إلاّ بكفاية اللّه لي ما هو أملك له ، وهو كقوله تعالى : «وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً» (الإسراء ٧٤) ونحوها من آيات القرآن الدالة على أنّ العصمة تكون بتأييد اللّه سبحانه . وقال المجلسي رحمه الله : هذا من الانقطاع إلى اللّه والتواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحق ، وعدّ نفسه من المقصّرين في مقام العبودية ، والإقرار بأنّ عصمته من نِعمه تعالى عليه فلا يدل كلامه عليه السلام على اعترافه بعدم العصمة . انظر : شرح النهج المقتطف من بحار الأنوار ٢:٤٥٣ .[٣] سورة الضحى ٧ .