تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٤٨
تذهب الحَفِيظة . ومنها قوله : «واصفحْ مع الدّولة تكنْ لكَ العاقبة» ، هذه كانت شيمةُ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وشيمة عليّ عليه السلام ؛ أمَّا شيمهُ رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم فظفِرَ بمشركي مَكّة وعفا عنهم ، كما سَبَقَ القولُ فيه في عام الفَتْح ؛ وأمَّا عليّ عليه السلام فَظفِر بأصحاب الجمل وقد شَقّوا عصا الإسلام عليه ، وطَعَنوا فيه وفي خلافتِه ، فعفا عنهم ، مع علمِه بأنّهم يُفسدون عليه أمره فيما بعد ، ويَصِيرون إلى معاوية إمَّا بأنفسهم أو بآرائهم ومكتوباتهم ، وهذا أعظمُ من الصّفح عن أهل مكّة ؛ لأنّ أهل مكّة لم يَبقَ لهم لمّا فُتِحت فئةٌ يتحيّزون إليها ، ويُفسِدون الدّين عندها . ومنها قوله : «واستَصلح كلّ نعمةٍ أنعَمها اللّه عليك» ، معنى استَصلِحْها استَدِمْها ؛ لأنَّه إذا استدامها فقد أصلَحها ، فإنَّ بقاءها صلاحٌ لها ، واستدامتها بالشكر . ومنها قوله : «ولا تضيّعنّ نعمة من نعم اللّه عندَك» ، أي واس الناسَ منها ، وأحسِنْ إليهم ، واجعلْ بعضها لنَفْسك وبعضها للصّدقة والإيثار ، فإنَّك إن لم تفعلْ ذلك تكنْ قد أضَعْتَها . ومنها قوله : «وليُرَ عليك أثرُ النّعمة» ، قد أمَر بأنْ يُظهر الإنسانُ على نفسِه آثارَ نعمةِ اللّه عليه ، وقال سبحانه : «وأمَّا بنعمةِ رَبِّكَ فحدِّثْ» [١] . ومنها قوله : «واعلم أنّ أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسِه وأهله وماله» ، أي أفضلهم إنفاقا في البرّ والخير من مالِه ، وهي التَّقدمة ، قال اللّه تعالى : «وَمَا تقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ» [٢] ، فأمّا النفس والأهل ، فإنّ تقدِمتهما في الجهاد ، وقد تكون التّقدمة في النّفس بأن يَشفع شفاعةً حسنةً أو يحضر عند السّلطان بكلام طيّب ، وثناءٍ حَسَن ، وأن يُصلِح بين المُتخاصِمَين ، ونحو ذلك ، والتَّقدِمة في الأهل أن يحجّ بوَلَده وزَوْجته ويكلِّفهما المشاقّ في طاعة اللّه ، وأن يؤدِّب ولده إن أذنَب ، وأن يقيمَ عليه الحدّ ، ونحو ذلك . ومنها قوله : «وما تقدّم من خير يَبق لك ذُخُره وما تؤخره يكنْ لغيرك خيرُه» ، قد سبق مثلُ هذا ، وأنّ ما يتركُه الإنسانُ بعده فقد حُرِم نفعه ، وكأنّما كان يكدَح لغيره ، وذلك من الشّقاوة وقلّة التوفيق . ومنها قولُه : «واحذر صَحابَة مَن يَفِيلُ رأيه» ، الصَّحابة بفتح الصاد ، مَصدَر صحبت والصَّحابة بالفتح أيضا جَمعُ صاحب ، والمرادُ هاهنا الأوّل ، وفالَ رأيُه : فَسَد ؛ وهذا المعنى
[١] سورة الضحى ١١ .[٢] سورة البقرة ١١٠ .