تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٤٠
وفُرِض الأمْر بالمعروف مصلحةً للعوام ، لأنّ الأمر بالعدل والإنصاف وردِّ الودائع ، وأداءِ الأمانات إلى أهلها ، وقضاء الديون ، والصِّدق في القول ، وإيجاز الوعد ، وغير ذلك من محاسن الأخلاق ، مصلحة للبَشَر عظيمة لا محالة . وفُرِض النهيُ عن المنكَر رَدْعا للسّفهاء ، كالنّهي عن الظلم والكَذِب والسَّفَه ، وما يَجري مَجرَى ذلك . وفُرِضت صِلَة الرَّحِمِ مَنْماةَ للعَدَد ، قال النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم : «صلة الرَّحم تَزيد في العمر ، وتُنَمِّي العَدَد » . وفُرِض القِصاصُ حَقْنا للدِّماء ، قال سبحانه : «ولَكُمْ في القِصَاص حَيَاةٌ يا أولي الألبابِ» [١] . وفُرِضت إقامة الحدود إعظاما للمحارم ، وذلك لأنّه إذا أقيمت الحدودُ امتنع كثيرٌ من الناس عن المعاصي التي تجبُ الحدُودُ فيها ، وظهر عظم تلك المعاصِي عند العامّة فكانوا إلى تركها أقرب . وحُرِّم شربُ الخمْر تحصيناً للعقل ، قال قوم لحكيم : اشرَبْ اللّيلة معنَا ، فقال : أنا لا أشرَب ما يَشْرَب عَقْلي ؛ ثم قال عليه السلام : «الخمرُ جماعُ الإثم ، الخمر أمُّ المعاصي» . وحُرِّمت السَّرِقة إيجابا للعفّة ، وذلك لأنّ العفّة خُلُقٌ شريف ، والطمعُ خُلُق دنيءٌ ، فحرمت السّرقة ليتمرَّن الناسُ على ذلك الخُلقِ الشريف ، ويجانبوا ذلك الخُلُقَ الذميمَ ، وأيضا حُرِّمت لما في تحريمها من تحصين أموال الناس . وَحرِّم الزنا تحصينا للنَّسَب ، فإنّه يُفضِي إلى اختلاط المِياه واشتباهِ الأنساب ، وألاّ يُنسَب أحدٌ بتقدير ألاَّ يشرَع النكاح إلى أب ، بل يكون نَسبُ الناس إلى أمَّهاتهم ، وفي ذلك قلبُ الحقيقة ، وعكسُ الواجب ، لأنّ الولد مخلوقٌ من ماء الأب ، وإنّما الأمّ وعاء وظَرْف . وحُرِّم اللِّواط تكثيرا للنَّسل ، وذلك اللّواط بتقدير استفاضتِه بين الناس والاستغناء به عن النِّساء يُفضِي إلى انقطاعِ النّسل والذّرّية ، وذلك خلاف ما يريد اللّه تعالى من بقاء هذا النوع الشّريف الَّذي ليس في الأنواع مِثله في الشّرف ، لمكان النفس الناطقة الّتي هي نسخةٌ ومِثالٌ للحَضْرة الإلهية ، ولذلك سَمَّت الحكماءُ الإنسانَ العالَمَ الصغير . وحُرِّم الاستمناء باليد وإتيان البهائِم للمعنى الّذي لأجلِه حُرِّم اللِّواط ، وهو تقليل النَّسْل ؛ ومن مستحسَن الكلمات النبويّة قولُه عليه السلام فِي الاستمناء باليد : «ذلك الوَأد الخَفيّ» ، لأنّ الجاهليّة كانت تَئِد البناتِ أي تَقتُلُهنّ خَنْقاً ، وقد قدّمنا ذكرَ سبب ذلك ، فشبَّه عليه السلام إتلاف
[١] سورة سبأ ٣٩ .[٢] سورة الحديد ١١ .[٣] سورة الحج ٢٨ .[٤] سورة الحج ٤٠ .[٥] سورة الأنفال ٦٠ .[٦] سورة البقرة ١٧٩ .