تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٩٤
وإنّما قسّمهم في هذا الفصل هذا التقسيم تمهيداً لما يذكره فيما بعد ، فإنّه قد شرع بعد هذا الفصل فذَكَر طبقةً طبقةً وصِنفا صِنفا ، وأوصاه في كلّ طبقة وفي كلّ صِنْف منهم بما يليق بحاله ، وكأنّهُ مَهّد هذا التمهيد ، كالفِهْرِست لما يأتي بعده من التفصيل .
الأصْلُ:
.فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِينَفْسِكَ للّه ِ وَلِرَسُولِهِ وَلاِءِمَامِكَ ، وَأَطْهَرَهُمْ جَيْباً ، وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً ، مِمَّنْ يُبْطِيءُ عَنِ الْغَضَبِ ؛ وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ ، وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ ، وَيَنْبُو عَلَى الْأَقْوَيَاءِ ؛ وَمِمَّنْ لاَ يُثِيرُهُ الْعُنْفُ ، وَلاَ يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ . ثُمَّ الْصَقْ بَذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَالْأَحْسَابِ ؛ وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ ، وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ ؛ ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ ، وَالسَّخَاءِ وَالسَّمَاحَةِ ؛ فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ ؛ وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ . ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا ؛ وَلاَ يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ . وَلاَ تُحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ ؛ فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ . وَلاَ تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا ؛ فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ ؛ وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لاَ يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ . وَلْيَكُنْ آثَرُ رُؤُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ بِمَا ، يَسَعُهُمْ وَيَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ ، حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ ، فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ ، وَلاَ تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلاَّ بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلاَةِ اُمُورِهِم ، وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ ، وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ . فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ ، وَوَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ ، وَتَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلاَءِ مِنْهُمْ ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ ، وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ ، إِنْ شَاءَ اللّه ُ . ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِيءٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَى ، وَلاَ تَضُمَّنَّ بَلاَءَ امْرِيءٍ إِلَى غَيْرِهِ ، وَلاَ تُقَصِّرَنَّ