تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٧١
. ثم سُئلَ ثانيا فقال : بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلاَ تَلِجُوهُ ؛ ثم سُئِلَ ثالثا فقالَ سِرُّ اللّه ِ فَـلاَ تَتَكَلَّفُوهُ [١] .
الشّرْحُ:
قد جاء في الخبر المرفوع : «القَدَرُ سِرّ اللّه في الأرض» ، ورُوِي : «سر اللّه في عباده » ، والمرادُ نهيُ المستضعفين عن الخوْض في إرادة الكائنات ، وفي خلق أعمال العباد ، فإنّه ربّما أفضى بهم القول بالجبْر ، لما في ذلك من الغُموض ، وذلك أنّ العامّيَّ إذا سَمِع قولَ القائل : كيف يجوز أن يَقَع في عالَمِه ما يكرَهه ؟ وكيف يجوز أن تَغلِب إرادة المخْلوق إرادةَ الخالق؟ ويقول أيضا : إذا عَلِم في القدم أنّ زيدا يَكْفُر ، فكيف لزيدٍ أن لا يَكْفُر ؟ وهل يُمكن أن يقع خلافُ ما عَلِمه اللّه تعالى في القِدَم ؟ اشتبه عليه الأمر ، وصار شُبهةً في نفسِه ، وقوِيَ في ظنّه مذهبُ المجبِّرة ، فَنهَى عليه السلام هؤلاء عن الخوْض في هذا النّحو من البَحْث ، ولم ينْه غيرَهم من ذوي العقول الكاملة ، والرياضة القويّة ، والملكة التامّة ، ومن له قدرةٌ على حَلِّ الشُّبَه ، والتفصِّي عن المشكلاتِ .
٢٩٤
الأصْلُ:
.إِذَا أَرْذَلَ اللّه ُ عَبْداً حَظَرَ عَلَيْهِ الْعِلْمَ .
الشّرْحُ:
أرذَلَه : جعله رَذْلاً ، وكان يقال : مِنْ علامةِ بُغض اللّه ِ تعالى للعبد أن يُبغِّض إليه العِلْم .
[١] قد حمل بعضهم كلام الإمام عليه السلام على النهي عن الخوض في خصوصيات حكمة اللّه في قضائه وأقواله وأفعاله ، وإنما المطلوب من العبد أن يعلم أن للّه في كل قضاء وكلّ قول وكلّ فعل حكمة ، ومصلحة خفيت أو ظهرت خصوصيتها .