تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٧٢
منتقلاً من حال إلى حال لتحقّق فيه دليل الحدوث ، فكان مصنوعا ، وقد ثبت أنّه الصّانع المطلق سبحانه . قوله عليه السلام : «ولتحوّل دليلاً بعد أن كان مدلولاً عليه» ، يقول : إنا وجدنا دليلنا على البارئ سبحانه ، إنما هو الأجسام المتحرّكة ، فلو كان البارئ متحرّكا لكان دليلاً على غيره ، وكان فوقه صانع آخر صنعه وأحدثه ، لكنه سبحانه لا صانعَ له ولا ذات فوق ذاته ، فهو المدلول عليه والمنتهى إليه . قوله عليه السلام : «وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما أثر في غيره» ، في هذا الكلام يتوهّم سامعه أنه عطف على قوله : «لتفاوتت» ، و «لتجزأ» ، و « لامتنع» ، و «لكان له» ، «ولالتمس» ، و «لقامت» ، و «لتحوّل» وليس كذلك ؛ لأنّه لو كان معطوفاً عليها لاختلّ الكلام وفسد ؛ لأنها كلها مستحيلات عليه تعالى ، والمراد لو تحرّك لزم هذه المحالات كلّها . «وخرج بسلطان الامتناع» ليس من المستحيلات عليه ، بل هو واجب له ، ومن الأُمور الصادقة عليه ، فإذا فسد أن يكون معطوفا عليها وجب أن يكون معطوفا على ما كان مدلولاً عليه ، وتقدير الكلام : كان يلزم أن يتحوّل البارئ دليلاً على غيره ، بعد أن كان مدلولاً عليه ، وبعد أن خرج بسلطان الامتناع من أن يؤثّر فيه ما أثّر في غيره ، وخروجه بسلطان الامتناع المراد به وجوب الوجود والتجريد وكونه ليس بمتحيّز ولا حالّ في المتحيّز ، فهذا هو سلطان الامتناع الذي به خرج عن أن يؤثّر فيه ما أثّر في غيره من الأجسام والممكنات .
الأصْلُ:
.الَّذِي لاَ يَحُولُ وَلاَ يَزُولُ ، وَلاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْأُفُولُ . لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً ، وَلَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً . جَلَّ عَنِ اتِّخَاذِ الْأَبْنَاءِ ، وَطَهُرَ عَنْ مُلاَمَسَةِ النِّسَاءِ ؛ لاَ تَنَالُهُ الْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ ، وَلاَ تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ ، وَلاَ تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ فَتُحِسَّهُ ، وَلاَ تَلْمِسُهُ الْأَيْدِي فَتَمَسَّهُ ، وَلاَ يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ ، وَلاَ يَتَبَدَّلُ فِي الْأَحْوَالِ ، وَلاَ تُبْلِيهِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ ، وَلاَ يُغَيِّرُهُ الضِّيَاءُ وَالظَّلاَمُ .
الشّرْحُ:
هذا الفصل كلّه واضح مستغنٍ عن الشرح ، إلاّ قوله عليه السلام : «لم يلد فيكون مولوداً» ؛ لأنّ لقائل أن يقول : كيف يلزم من فرض كونه والداً أن يكون مولودا ؟ في جوابه : إنه ليس معنى الكلام