تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢١٦
فإن قلت : مَنْ سَلُفه هؤلاء الذين أشار إليهم؟ قلت : المهاجرون الأوّلون من بني هاشم وبني المطّلب كحمزة وجعفر والعباس وعبيدة ابن الحارث ، وكأبي طالب في قول الشِّيعة وكثير من أصحابنا ، وكعبد المطّلب في قول الشيعة خاصّة . فإن قلت : فهل يكون أمير المؤمنين عليه السلام نفسه معدودا من جملة هؤلاء؟ قلت : لا ، فإنه لم يكن من أهل المبادئ والجمل المقتصر بهم في تكليفهم العقليّات على أوائل الأدلّة ، بل كان سيِّد أهل النظر كافّة وإمامهم . فإن قلت : ما معنى قوله : لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم؟ قلت : لأنّهم إذا تأمّلوا الأدلّة وفكّروا فيها فقد نظروا لأنفسهم كما ينظر الإنسان لنفسه ليخلّصها من مضرّة عظيمة سبيلها أن تقع به إن لم ينظر في الخلاص منها : وهذا هو الوجه في وجوب النظر في طريق معرفة اللّه ، والخوف من إهمال النظر . فإن قلت : ما معنى قوله : «إلى الأخذ بما عرفوا ، والإمساك عمّا لم يكلَّفوا»؟ قلت : الأخذ بما عرفوا ، مثل أدلّة حدوث الأجسام وتوحيد الباري وعدله ، والإمساك عمّا لم يكلّفوا ، مثل النّظر في إثبات الجزء الَّذي لا يتجزأ ونفيه ، ومثل الكلام في الخلا والملا ، وأمثال ذلك مما لا يتوقّف أُصول التوحيد والعدل عليه ، فإنه لا يلزم أصحاب الجمل والمبادئ أن يخوضوا في ذلك ؛ لأنهم لم يكلّفوا الخوض فيه ؛ وهو من وظيفة قوم آخرين . واعلم أنّ ظاهر الكلام كونه يأمر بتقليد النبي صلى الله عليه و آله وسلموالأخذ بما في القرآن وترك النظر العقليّ ؛ هذا هو ظاهر الكلام ؛ ألا تراه كيف يقول له : الاقتصار على ما فرضه اللّه عليك ، والأخذ بما مضى عليه أهل بيتك وسلفك ؛ فإنّهم لما حاولوا النظر رجعوا بآخره إلى السمعيات ، وتركوا العقليات ؛ لأنّها أفضتْ بهم إلى ما لا يعرفونه ؛ ولا هو من تكليفهم . ثم قال له : فإن كرهت التقليد المحض ، وأحببت أن تسلك مسلكهم في النّظر ، وإن أفضى بك الأمر بأخرة إلى تركه والعود إلى المعروف من الشرعيّات وما ورد به الكتاب والسنّة ، فينبغي أن تنظر وأنت مجتمع الهمّ خالٍ من الشبهة ، وتكون طالبا للحقّ ، غير قاصد إلى الجدل والمراء ؛ فلمَّا وجدنا ظاهر اللفظ يقتضي هذه المعاني ، ولم يجز عندنا أنْ يأمر أمير المؤمنين عليه السلام ولده مع حكمته وأهلية ولده بالتّقليد وترك النظر ، رجعنا إلى تأويل كلامه على وجه يخرج به عليه السلام من أن يأمر بما لا يجوز لمثله أن يأْمر به . واعلم أنَّه قد أوصاه إذا همّ بالشروع في النظر بمحض ماذكره المتكلمون ، وذلك أُمور :