تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٤٨
وذلك لأنّ اليَعسوب فَحْل النَّحْل وَسيِّدها ، وهو أكثرُ زمانه طائرٌ بجَناحَيه ، فإذا ضرَب بذَنَبه الأرضَ فقد أقام وَتَرَك الطَّيَران والحركة . فإن قلت : فهذا يُشيد مذهبَ الإماميّة في أنّ المهديّ خائف مستِتر ينتقل في الأرض ، وأنّه يظهر آخر الزمان ويثبت ويقيم في دار ملكه . قلت : لا يبعد على مذهبنا أن يكون الإمام المهديّ الذي يظهر في آخر الزمان مضطرب الأمر ، منتشرُ المُلك في أوّل أمرِه لمصلحة يَعلَمها اللّه تعالى ، ثمّ بعد ذلك يثبَّت مُلكُه ، وتنتظم أمورُه . وقد وردتْ لَفظةُ اليَعْسوب عن أمير المؤمنين عليه السلام في غير هذا الموضع ، قال يومَ الجمل لعبد الرحمن بنِ عتّاب بن أسيد وقد مرّ به قتيلاً : «هذا يَعْسوب قريش » ، أي سيِّدُها .
٢٥٩
الأصْلُ:
.وفي حديثه عليه السلام : هَذا الْخَطِيبُ الشَّحْشَحُ .
قالَ [ الرضي رحمه الله] : يُريدُ الماهرَ بالخطبةِ ، الماضيَ فِيها ، وكل ماضٍ في كَلاَمٍ أو سَيْرٍ فَهُوَ شَحْشحٌ ، والشَّحْشَحُ في غَيرِ هذا المَوْضع : البَخِيلُ المُمْسِكُ .
الشّرْحُ:
قد جاء الشَّحْشح بمعنى الغَيُور والشحْشَح بمعنى الشُّجاع ، والشَّحْشَح بمعنى المواظِب على الشيء الملازِم له ، والشَّحْشَح : الحاوِي ، ومِثله الشَّحْشحان . وهذه الكلمة قالها عليٌّ عليه السلام لصَعْصة بن صُوحان العبديِّ رحمه الله ، وكَفَى صعصعةُ بها فخرا أن يكون مِثل عليٍّ عليه السلام ، يُثنِي عليه بالمهارة وفَصاحة اللّسان ؛ وكان صَعصعةُ من أفصَح الناس ، ذكَرَ ذلك شيخُنا أبو عثمانَ الجاحظ [١] .
[١] البيان والتبيين ١ : ٩٧ .