تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٤٧
ومنها قوله : «ولا تتمنّ الموت إلاّ بشرط وثيق» ، هذه كلمةٌ شريفة عظيمة القدْر ، أي لا تتمنّ الموتَ إلاّ وأنت واثق من أعمالك الصالحة أنها تؤدّيك إلى الجنة ، وتُنْقِذك من النار ؛ وهـذا هو معنى قوله تعالى لليهود : «إنْ زعمتمْ أنكم أوْلياءُ للّه ِ مِنْ دُونِ الناسِ فتمَنَّوُا الموتَ إنْ كُنتُـمْ صَادِقيـنَ * ولاَ يَتَمَنَّوْنـه أبدا بِمـا قدَّمتْ أيديهمْ واللّه ُ عليمٌ بالظّالمين» [١] . ومنها قوله : «واحذر كلّ عمل يرضاه صاحبه لنفسه ، ويكرهه لعامة المسلمين ، واحذر كل عمل يُعمل في الستر ، ويُستحيا منه في العلانية ، واحذر كل عمل إذا سُئل عنه صاحبه أنكره واعتذر منه» ، وهذه الوصايا الثلاث متقاربةٌ في المعنى ، ويشملها معنى قول أبي الأسود الدؤلي: لا تنهَ عن خُلق وتأتيَ مثلهُ عار عليك إذا فعلتَ عظيمُ وقال اللّه تعالى حاكيا عن نبيٍّ من أنبيائه : «وَمَا أُرِيدُ أنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أنْهَاكُمْ عَنْهُ» [٢] . ومنها قوله : «ولا تجعَل عِرْضك غَرَضا لنبال القوم» ، قال الشاعر : لا تستتِرْ أبدا ما لا تَقومُ له ولا تَهيجنّ من عِرِّيسِهِ الأسَدَا إنّ الزّنابيرَ إنْ حرّكتها سَفَها مِن كورها أوجعتْ مِن لَسْعِها الجَسَدا ومنها قوله : «ولا تُحَدِّث الناسَ بكلّ ما سمعتَ ، فكفى بذلك كَذِباً» ، قد نهى أن يحدّث الإنسان بكلّ ما رأى من العَجائب فَضْلاً عمّا سَمِع ؛ لأنّ الحديثَ الغريبَ المعجبَ تُسارِع النفسُ إلى تكذيبه ، وإلى أن تقوم الدّلالة على صِدْقه قد فَرَط من سوء الظنّ فيه ما فرط . ومنها قوله : «ولا تردّ على الناس كلّ ما حدّثوك ، فكفى بذلك جَهْلاً» ، من الجَهْل المبادرة بإنكار ما يَسمَعه . ومنها قوله : «واكظم الغَيْظ» ، قد مَدَح اللّه ُ تعالى ذلك فقال : «وَالْكاظِمِينَ الغَيظَ» [٣] . ومنها قوله : «واحلُم عند الغَضَب» ، هذه مُناسَبة الأولى ، وقد تقدَّم منّا قولٌ كثيرٌ في الحِلْم وفضله ؛ وكذلك القول في قوله عليه السلام : «وتجاوَزْ عند المقدرة» ، وكان يقال : القُدْرة
[١] سورة الجمعة ٦ ، ٧ .[٢] سورة هود ٨٨ . وهي من مواعظ شعيب عليه السلام إلى قومه .[٣] سورة آل عمران ١٣٤ .