تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٠٨
٢٠٠
الأصْلُ:
.لاَ يُزَهِّدَنَّكَ فِي الْمَعْرُوفِ مَنْ لاَ يَشْكُرُهُ لَكَ ، فَقَدْ يَشْكُرُكَ عَلَيْهِ مَنْ لاَ يَسْتَمْتِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ ، وَقَدْ تُدْرِكُ مِنْ شُكْرِ الشَّاكِرِ أَكْثَرَ مِمَّا أَضَاعَ الْكَافِرُ ، وَاللّه ُ يُحِبُّ المحْسِنِينَ [١] .
الشّرْحُ:
قد أخذتُ أنا هذا المعنَى فقلتُ من جملةِ قصيدةٍ لي حِكْميّة : { لا تُسدِيَنّ إلى ذي الّلؤم مَكرُمةً فإنّه سَبَخٌ لا يُنبت الشجَرَا } { فإنْ زرَعتَ فمحفوظٌ بمَضْيَعةٍ وأكْلُ زَرْعِك شكرُ الغَيْر إن كَفَرَا }
٢٠١
الأصْلُ:
.كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إِلاَّ وِعَاءَ الْعِلْمِ ، فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ بِهِ .
الشّرْحُ:
هذا الكلام تَحْته سرٌّ عظيم ، ورَمْزٌ إلى معنى شريف غامض ، ومنه أخذ مُثْبِتو النفس الناطِقَةِ الحجّة على قولهم ؛ ومحصولُ ذلك أن القُوَى الجُسمانيّة يُكِلها ويُتعِبُها تَكرارُ أفاعِيلها عليها ، كقوّة البصر يُتعِبها تكرار إدْراك المَرْئِيَّات ، حتّى ربّما أذهَبهَا وأبطَلَها أصلاً ، وكذلك
[١] المراد بالكافر هنا ناكر المعروف والجميل الذي أُسدي إليه ، وبالشاكر من يستحسن الحسن لذاته ولو صدر من عدوّه . والمعنى : إنك إن أردت بالمعروف وجهَ اللّه سبحانه ، فاللّه يحبُّ المحسنين ، وحسبُك محبةُ اللّه ، وإن أردتَ ثناء الشاكرين فإن كفر من أنعمتَ عليه ، فقد يشكر نعمتَك غيره ، واللّه ُ لا يضيّعه .