تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٤٦
.ومن كتاب له عليه السلام إلى عبدللّه بن العباس بعد وَقَدْ كُنْتُ حَثَثْتُ النَّاسَ عَلَى لِحَاقِهِ ، وَأَمَرْتُهُمْ بِغِيَاثِهِ قَبْلَ الْوَقْعَةِ ، وَدَعَوْتُهُمْ سِرّاً وَجَهْراً ، وَعَوْداً وَبَدْءًا ، فَمِنْهُمُ الآتِي كَارِهاً ، وَمِنْهُمُ الْمُعْتَلُّ كَاذِباً ، وَمِنْهُمُ الْقَاعِدُ خَاذِلاً . أَسْأَلُ اللّه َ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْهُمْ فَرَجاً عَاجلاً ؛ فَوَاللّه ِ لَوْلاَ طَمَعِي عِنْدَ لِقَائِي عَدُوِّي فِي الشَّهَادَةِ ، وَتَوْطِينِي نَفْسِي عَلَى الْمَنِيَّةِ ، لَأَحْبَبْتُ أَلاَّ أبْقى مَعَ هؤُلاَءِ يَوْماً وَاحِداً ، وَلاَ ألتَقِيَ بِهِمْ أَبَداً .
الشّرْحُ:
انظر إلى الفصاحة كيف تعطِي هذا الرّجل قيادها ، وتملّكه زمامها ؛ واعجب لهذه الألفاظ المنصوبة يتلو بعضها بعضا كيف تواتيه وتطاوعه ؛ سِلسة سهلة تتدفق من غير تعسّف ولا تكلّف ؛ حتى انتهى إلى آخر الفصل فقال : «يوماً واحداً ، ولا ألتقي بهم أبدا» ، وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة جاءت القرائن والفواصل تارة مرفوعة ، وتارة مجرورة ، وتارة منصوبة ، فإن أرادوا قَسْرَها بإعراب واحد ظهر منها في التكلّف أثرٌ بيّن ، وعلامة واضحة ، وهذا الصِّنْف من البيان أحد أنواع الإعجاز في القرآن ، ذكره عبد القاهر . ثم إن فواصل كلّ واحد منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكلفية . ثم انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل ؛ كيف قال : « ولداً ناصحا» ، « وعاملاً كادحا» ، «وسيفا قاطعا» ، «وركنا دافعا» ، لو قال : «ولداً كادحا» و «عاملاً ناصحا» ، وكذلك ما بعده لما كان صوابا ، ولا في الموقع واقعا ، فسبحان اللّه من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة ! ولا غرو فيمن كان محمد صلى الله عليه و آله وسلم مربّيه ومخرِجه ، والعناية الإلهية تمدّه وترفُدُه أن يكون منه ما كان! يقال : احتسب ولده ، إذا مات كبيرا ، وافترط ولده ، إذا مات صغيرا . قوله : «فمنهم الآتي ...» ، قسَّم جنده أقساما ، فمنهم من أجابه وخرج كارها للخروج ، كما قال تعالى : «كَأَنّمَا يُسَاقُونَ إلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ» [١] ، ومنهم من قعد واعتلّ بعلة
[١] سورة الأنفال ٦ .[٢] سورة الأحزاب ١٣.[٣] سورة التوبة ٨١ .