تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٢٧
٨٩
الأصْلُ:
.إِنَّ هذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ ، فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكَمِ [١] .
الشّرْحُ:
لو قال : إنّها تَمَلّ كما تَمَلّ الأبدان ، فأحمِضُوا ، كما نقل عن غيرِه ؛ لحُمِل ذلك على أنّه أراد نَقلَها إلى الفُكاهات والأخبار والأشعار ، ولكنّه لم يقل ذلك ، ولكن قال : « فابْتَغوا لها طرائفَ الحِكمة» ، فوَجَب أن يُحمَل كلامُه عليه السلام على أنّه أراد أنّ القُلوبَ تَمَلّ من الأنظار العقلِيّة في البراهين الكلاميّة على التوحيد والعدل ، فابتغوا لها عندَ مَلالِها طرائفَ الحِكمة ، أي الأمثال الحِكَمِية الراجعة إلى الحِكمة الخلقية ، كما نحن ذاكرُوه في كثيرٍ من فصولِ هذا الباب ، مِثل مدح الصبر ، والشجاعة ، والزهد ، والعِفَّة ، وذمّ الغضب ، والشهوة ، والهوى ، وما يَرجع إليه سياسة الإنسان نفسه ، وولده ، ومنزله ، وصديقه ، وسلطانه ، ونحو ذلك ؛ فإنّ هذا عِلْمٌ آخَر وفَنّ آخر ، لا تَحتاجُ القلوب فيهِ إلى فِكْر واستنباط ، فتَتعب وتكِلّ بترادُف النّظر والتأمّل عليها ، وفيه أيضا لذَّةٌ عظيمةٌ للنّفس . وقد جاء في إجمامِ النّفس كثيرٌ . قال بعضهم : رَوِّحوا القلوب برَواتِع الذّكر .
٩٠
الأصْلُ:
.لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بكَ مِنَ الْفِتْنَةِ» ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَةٍ ، وَلكِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلاَّتِ الْفِتَنِ ، فَإِنَّ اللّه َ سُبْحَانَهُ يَقُولُ :
[١] طرائف الحكم : قيل هي ، لطائفها وغرائبها المعجبة للنفس اللّذيذة لها ، وذلك ليكون أبدا في اكتساب الحكمة بنشاط . وسيأتي مثل هذا مكرراً في الحكمة رقم (١٩٣) .