تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣١٦
.ومن كتاب له عليه السلام إلى طلحة والزبير مع عم حَتَّى بَايَعُونِي . وَإِنَّكُمَا مِمَّنْ أَرَادَنِي وَبَايَعَنِي ، وَإِنَّ العَامَّةَ لَمْ تُبَايِعْنِي لِسُلْطَانٍ غَالِبٍ ، وَلاَ لِحِرْصٍ حَاضِرٍ ، فَإِنْ كُنْتُما بَايَعْتُمانِي طَائِعَيْنِ ، فارْجِعَا وَتُوبَا إِلَى اللّه ِ مِنْ قَرِيبٍ ، وَإِنْ كُنْتُما بَايَعْتُمانِي كَارِهَيْنِ ، فَقَدْ جَعَلْتُما لِي عَلَيْكُمَا السَّبِيلَ بِإِظْهَارِكُمَا الطَّاعَةَ وَإِسْرَارِكُمَا الْمَعْصِيَةَ . وَلَعَمْرِي مَا كُنْتُما بِأَحَقِّ الْمُهَاجِرِينَ بِالتَّقِيَّةِ وَالْكِتمانِ ، وَإِنَّ دَفْعَكُمَا هذَا الْأَمْرَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْخُلاَ فِيهِ ، كَانَ أَوْسَعَ عَلَيْكُمَا مِنْ خُرُوجِكُمَا مِنْهُ بَعْدَ إِقْرَارِكُمَا بِهِ . وَقَدْ زَعَمْتُما أَنِّي قَتَلْتُ عُثَمانَ ، فَبَيْنِي وَبَيْنَكُمَا مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي وَعَنْكُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ يُلْزَمُ كُلُّ امْرِيءٍ بَقَدْرِ مَا احْتَمَلَ . فَارْجِعَا أَيُّهَا الشَّيْخَانِ عَنْ رَأْيِكُمَا ؛ فَإِنَّ الآنَ أَعْظَمَ أَمْرِكُمَا الْعَارُ ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجتَمِعَ الْعَارُ وَالنَّارُ . وَالسَّلاَمُ .
الشّرْحُ:
قوله عليه السلام : «لم أُرد الناس» ، أي لم أُرد الولايةَ عليهم حتّى أرادوا هم منّي ذلك . «ولم أبايعْهم حتى بايعوني» ، أي لم أمدُدْ يدي إليهم مدّ الطَّلَب والحرْص على الأمر ، ولم أمدُدها إلاّ بعد أن خاطَبُوني بالإمْرَةِ والخلافة ، وقالوا بألسنتهم : قد بايعناك ، فحينئذٍ مددتُ يدي إليهم . قال : ولم يبايعني العامّة والمسلمون لسلطانٍ غَصَبهم وقهرَهم على ذلك ، ولا لحرص حاضر ، أي مال موجود فرّقته عليهم . ثم قسم عليهما الكلام ، فقال : إن كنتما بايَعْتُماني طوعا عن رضىً فقد وجب عليكما الرّجوع ؛ لأنّه لا وجه لانتقاض تلك البيعة ، وإن كنتما بايعتُماني مكْرَهَيْن عليها فالإكراه له صورةٌ ، وهي أن يجرّد السيف ويمدّ العنق ، ولم يكن قد وقع ذلك ، ولا يمكنكما أن تدّعياه ، وإن كنتما بايعتماني لا عن رضىً ولا مكرهين بل كارهين ، وبين المُكْرَه والكاره فرقٌ بيّن ، فالأُمور الشرعيّة إنما تُبنئ على الظاهر ، وقد جعلتُما لي على أنفسكما السّبيل بإظهاركما الطاعة ، والدخول فيما دخل فيه الناس ، ولا اعتبار بما أسررْتما من كراهية ذلك . على أنه لو كان عندي ما يكرهه المسلمون لكان المهاجرون في كراهيّة ذلك سواء ؛ فما الذي جعلكما أحقَّ المهاجرين كلّهم بالكتمان والتقيّة .