تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٩٥
هذه الخطبة ، وهو جمع غريب لم يأت نظيره إلاّ في مواضع معدودة . قوله عليه السلام : «مبدِع الخلائق بعلْمه» ، ليس يريد أنّ العلم علة في الإبداع ، كما تقول : هوى الحجَر بثقله ، بل المراد : أبدع الخلق وهو عالم ، كما تقول : خرج زيد بسلاحه ، أي خرج متسلِّحا ، فموضع الجار والمجرور على هذا نصب بالحاليّة ، وكذلك القول في : «ومنشئهم بحُكْمِه » والحُكْم هاهنا : الحِكْمة . ومنه قوله عليه السلام : «إنّ من الشعر لحكمة» . قوله : «بلا اقتداء ، ولا تعليم ولا احتذاء» ، قد تكرّر منه عليه السلام أمثاله مرارا . قوله : « ولا إصابة خطأ» ، تحته معنى لطيف ؛ وذلك لأنّ المتكلّمين يورِدون على أنفسهم سؤالاً في باب كونه عالما بكل معلوم إذا استدلّوا على ذلك فإنه علم بعض الأشياء لا من طريق أصلاً ، لا من إحساس ولا من نظر واستدلال ، فوجب أن يعلم سائرها ؛ لأنّه لا مخصّص . قوله عليه السلام : «ولا حَضرة مَلأ» ، الملأ : الجماعة مِنَ النّاس ، وفيه معنى قوله تعالى : «مَا أشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أنْفُسِهِمْ» [١] . قوله : «يضربون في غَمْرة» ، أي يسيرون في جَهْل وضلالة ، والضرب : السير السريع . والحَيْن : الهلاك . والرَّين : الذنب عَلَى الذنب حتى يسودّ القلب ، وقيل : الرَّيْن : الطَّبَع والدنس ، يقال . رانَ عَلَى قلبه ذنبُه ، يرِين رَيْنا ، أي دنّسه ووسّخه ، واستغلقت أقفالُ الرَّيْن عَلَى قلوبهم : تعسّر فتحها . قوله : «فإنّها حقُّ اللّه عليكم ، والموجِبة عَلَى اللّه حقَّكم» ، يريدُ أنّها واجبة عليكم ، فإن فعلتموها وجبَ عَلَى اللّه أن يجازيَكم عنها بالثّواب . قوله : «وأنْ تستعينوا عليها باللّه ، وتستعينوا بها عَلَى اللّه » ، يريد : أُوصيكم بأنْ تستعينوا باللّه عَلَى التقوى بأن تدْعوه وتبتهلوا إليه أن يعينكم عليها ، ويوفّقكم لها وييسّرها ويقوِّي دواعيَكم إلى القيام بها ، وأُوصيكم أن تستعينوا بالتقوى عَلَى لقاء اللّه ومحاكمته وحسابه ، فإنّه تعالى يوم البعث والحساب كالحاكم بين المتخاصمين : «وتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمّةٍ تُدْعَى إلَى كِتَابِهَا» [٢] ، فالسعيدُ مَن استعان عَلَى ذلك الحساب وتلك الحكومة والخصومة بالتقوى في دار التكليف ، فإنّها نعم المعونة «وتَزَوّدُوا فَإنّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوى» [٣] . والجُنّة : ما يستتر به .
[١] سورة الكهف ٥١ .[٢] سورة الجاثية ٢٨ .[٣] سورة البقرة ١٩٧ .