تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٧٦
الشّرْحُ:
المائق : الشديدُ الحُمْق ، والمُوق : شدّة الحُمْق ، وإنما يزين لك فعله لأنّه يعتقد فعلَه صواباً بحُمْقه فيزيِّنه لك كما يزيِّن العاقلُ لصاحبه فِعلَه لاعْتقاد كونه صواباً ، ولكن هذا صوابٌ في نَفْس الأمر ، وذلك صوابٌ في اعتقاد المائق ، لا في نفس الأمر ؛ وأمّا كونه يودّ أن تكون مِثله معناه أنّه لحبِّه لك ، وصُحْبتِه إيّاك ، يَودّ أن تكون مِثله ؛ لأنّ كل أحدٍ يوَدّ أن يكون صديقُه مِثل نفسِه ، في أخلاقه وأفعالِه ، إذ كل أحد يَعتقِد صوابَ أفعاله ، وطهارَة أخلاقه ، ولا يَشعر بعيبِ نفسِه لأنّه يَهوَى نفسَه ، فعيبُ نفسه مطويٌّ مَسْتور عن نفسه ، كما تخفى عن العاشق عُيوبُ المعشوق .
٣٠٠
الأصْلُ:
.وقال عليه السلام وقد سُئل عن مسافة ما بين المشرق والمغرب ، فقال : مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلشَّمْس .
الشّرْحُ:
هكذا تقول العَرَب : بينهما مَسيرة يوم ، بالهاء ، ولا يقولون : مسيرُ يوم ؛ لأنّ المسيرَ المَصْدَر ، والمَسِيرة الاسم . وهذا الجوابُ تسمِّيه الحكماء جوابا إقناعيّاً ؛ لأنّ السائل أراد أن يذكر له كميّة المسافة مُفصّلة ، وأجابه بغيره ، وهو جواب صحيح لا رَيب فيه ، لكنّه غير شافٍ لغليلِ السائل ، وتحته غرَضٌ صحيح وذلك لأنّه سأله بحضور العامّة تحت المنبر فلو قال له : بينهما ألفُ فرسخ مثلاً ، لكان للسائل أن يطالبه بالدلالة على ذلك ، فعدل إلى جواب صحيح ، إجماليّ أسكت السائل به ، وقَنع به السامعون أيضا وَاستحسَنوه ، وهذا من نتائج حِكمتِه عليه السلام .