تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٤٦
مبلبل أجسام الملوك» . وموضع الاستحسان من هذا الفصل ـ وإن كان كله حسنا ـ أمران : أحدُهما : أنّه عليه السلام نظر إليه نظر مغضَب ؛ إنكارا لابتياعه دارا بثمانين ديناراً ، وهذا يدلّ على زهد شديدٍ في الدنيا واستكثار للقليل منها ، ونسبه هذا المشتري إلى الإسراف ، وخوف من أن يكون ابتاعها بمال حرام . الثاني : أنه أملى عليه كتاباً زهديّا وعظيا ، مماثلاً لكتب الشُّروط التي تكتب في ابتياع الأملاك ، فإنهم يكتبون : «هذا ما اشترى فلان من فلان ، اشترى منه دارا من شارع كذا وخطة كذا ، ويجمع هذه الدار حدود أربعة» . ثم تكتب الشهود في آخر الكتاب . شهد فلان ابن فلان بذلك ، وشهد فلان بن فلان به أيضا ؛ وهذا يدلُّ على أنّ الشروط المكتوبة الآن قد كانت في زمن الصحابة تكتب مثلها أو نحوها ؛ إلاّ أنّا ما سمعنا عن أحد منهم أنه نقل صيغة الشرط الفقهيّ إلى معنى آخر كما قد نظمه هو عليه السلام ، ولا غرْو فما زال سبّاقا إلى العجائب والغرائب! فإن قلت : لم جعل الشيطان المغوي في الحدّ الرابع؟ قلت : ليقول : وفيه يشرع باب هذه الدار ؛ لأنّه إذا كان الحدّ إليه ينتهي كان أسهل لدخوله إليها ودخول أتباعه وأوليائه من أهل الشيْطنة والضلال .
٤
الأصْلُ:
.ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض أُمراء جيشه فَإِنْ عَادُوا إِلَى ظِلِّ الطَّاعَةِ ، فَذَاكَ الَّذِي نُحِبُّ ، وَإِنْ تَوَافَتِ الْأُمُورُ بِالْقَوْمِ إِلَى الشِّقَاقِ وَالْعِصْيَانِ فَانْهَدْ بِمَنْ أَطاعَكَ إِلَى مَنْ عَصَاكَ ، وَاسْتَغْنِ بِمَنِ انْقَادَ مَعَكَ عَمَّنْ تَقَاعَسَ عَنْكَ ، فَإِنَّ الْمُتَكَارِهَ مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ مَشْهَدِهِ ، وَقُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ .