تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٨٠
.ومن كتاب له عليه السلام إِلى أمرائه على الجيوش أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ حَقّاً عَلَى الْوَالِي أن لا يُغَيِّرَهُ عَلَى رَعِيَّتِهِ فَضْلٌ نَالَهُ ، وَلاَ طَوْلٌ خُصَّ بِهِ ، وَأَنْ يَزِيدَهُ مَا قَسَمَ اللّه ُ لَهُ مِنْ نِعَمِهِ دُنُوّاً مِنْ عِبَادِهِ ، وَعَطْفاً عَلَى إِخْوَانِهِ . أَلاَ وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَلاَّ أَحْتَجِزَ دُونَكُمْ سِرّاً إِلاَّ فِي حَرْبٍ ، وَلاَ أَطْوِيَ دُونَكُمْ أَمْراً إِلاَّ فِي حُكْمٍ ، وَلاَ أُؤخِّرَ لَكُمْ حَقّاً عَنْ مَحَلِّهِ ، وَلاَ أَقِفَ بِهِ دُونَ مَقْطَعِهِ ، وَأَنْ تُكُونُوا عِنِدِي فِي الْحَقِّ سَوَاءً ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذلِكَ وَجَبَتْ للّه ِ عَلَيْكُمْ النِّعْمَةُ ، وَلِي عَلَيْكُمْ الطَّاعَةُ ، وَأَلاَّ تَنْكُصُوا عَنْ دَعْوَةٍ ، وَلاَ تُفَرِّطُوا فِي صَلاَحٍ ، وَأَنْ تَخُوضُوا الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ ، فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لِي عَلَى ذلِكَ ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّنْ اعْوَجَّ مِنْكُمْ ، ثُمَّ أُعْظِمُ لَهُ الْعُقُوبَةَ ، وَلاَ يَجِدُ عِنْدِي فِيهَا رُخْصَةً . فَخُذُوا هذَا مِنْ أُمَرَائِكُمْ ، وَأَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مَا يُصْلِحُ اللّه ُ بهِ أَمْرَكُمْ . وَالسَّلاَمُ .
الشّرْحُ:
أصحابُ المسَالح : جماعات تكون بالثّغر يحمون البَيْضة ، والمسْلَحة هي الثّغر ، كالمرغبة ، قال : يجب على الوالي ألاَّ يتطاول على الرعيّة بولايته ، وما خُصّ به عليهم من الطَّوْل وهو الفضل ؛ وأن تكون تلك الزيادة التي أُعطِيها سببا لزيادة دنوّه من الرعيّة وحنوّه عليهم . ثم قال : «لكم عندي ألاَّ أحتجِز دونكم بسرٍّ» ، أي لا أستتر . قال : «إلاَّ في حرب» ، وذلك لأنّ الحرب يحمَد فيها طيّ الأسرار ، والحرب خُدعة . «ولا أطوِي دونكم أمراً إلاَّ في حُكْم» ، أي أظهركم على كلِّ ما في نفسي مما يحسن أن أظهرَكم عليه ؛ فأمّا أحكام الشريعة والقضاء على أحَد الخَصْمين فإنّي لا أعلمكم به قبل وقوعه ؛ كيْلا تفسد القضيّة بأن يحتال ذلك الشخص لصرْف الحكْم عنه . ثم ذكر أنّه لا يؤخّر لهم حقا عن محلّه ، يعني العطاء ، وأنّه لا يقف دون مقطعه ، والحق هاهنا غير العطاء ، بل الحكم ، أي متى تعيّن الحكْم حكَمْتُ به وقطعت ولا أقف ، ولا أتحبَّس . ولمّا استوفى ما شرط لهم قال : فإذا أنا وَفّيت بما شرطت على نفسي وجبتْ للّه عليكم النّعمة ولي عليكم الطاعة . ثم أخذ في الاشتراط عليهم كما شرط لهم ، فقال : ولي عليكم ألاَّ