تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٠
قوله عليه السلام : «وباشتباههم على أن لا شبَه له» هذا دليل صحيح ، وذلك لأنّه إذا ثبت أن جسماً ما محدَث ، ثبت أنّ سائر الأجسام محدَثة ؛ لأنّ الأجسام متماثلة ، وكلّ ما صحّ على الشيء صحّ على مثله ، وكذلك إذا ثبت أنّ سوادا ما أو بياضا ما محدَث ، ثبت أن سائر السوادات والبياضات محدَثة ؛ لأنّ حكم الشيء حكم مثله ، والسّواد في معنى كونه سواداً غير مختلف ، وكذلك البياض ، فصارت الدلالة هكذا الذوات التي عندنا يُشبِه بعضها بعضا ، وهي محدَثة ؛ فلو كان البارئ سبحانه يشبه شيئا منها لكان مثلها ، ولكان محدَثاً ؛ لأنّ حكم الشيء حكم مثله ، لكنه تعالى ليس بمحدَث ، فليس بمشابه لشيء منها ، فقد صحّ إذا قوله عليه السلام : « وباشتباههم على أن لا شبه له» . قوله عليه السلام : «الّذي صدق في ميعاده» ، لا يجوز ألاّ يصدق ؛ لأنّ الكذب قبيحٌ عقلاً ، والبارئ تعالى يستحيل منه من جهة الدّاعي والصارف أن يفعل القبيح . «وارتفع عن ظلم عباده» ، هذا هو مذهب أصحابنا المعتزلة ، وعن أمير المؤمنين عليه السلام أخذوه . ثم أعاد الكلام الأول في التوحيد تأكيداً ، فقال : حدوث الأشياء دليل على قدمه ، وكونها عاجزة عن كثير من الأفعال دليل على قدرته ، وكونها فانية دليل على بقائه . ثم قال : «واحد لا بعدد» لأنّ وحدته ذاتيّة ، وليست صفة زائدة عليه ، وهذا من الأبحاث الدقيقة في علم الحكمة . ثم قال : «دائم لا بأمَد» ؛ لأنهُ تعالى ليس بزمانيّ ولا داخل تحت الحركة والزمان ، وهذا أيضا من دقائق العلم الإلهيّ ، والعرب دون أن تفهم هذا أو تنطق به ، ولكن هذا الرجل كان ممنوحا من اللّه تعالى بالفيْض المقدّس والأنوار الربانيّة . «وقائم لا بِعَمَد» ؛ لأنّه لما كان في الشاهد كلّ قائم فله عماد يعتمِد عليه ، أبان عليه السلام تنزيهه تعالى عن المكان ، وعمّا يتوهمه الجهلاء من أنه مستقرٌّ على عرشه بهذه اللفظة . ومعنى القائم هاهنا ليس ما يسبق إلى الذهن من أنه المنتصب . بل ، ما تفهمه من قولك : فلان قائم بتدبير البلد ، وقائم بالقسط . «تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة» ، أي تتلقاه تلقّيا عقلياً ، ليس كما يتلقى الجسم الجسمَ بمشاعره وحواسّه وجوارحه ، وذلك لأنّ تعقّل الأشياء وهو حصول صورها في العقل بريئة من المادة ، والمراد بتلقّيه سبحانه هاهنا تلقى صفاته ، لا تلقى ذاته تعالى ؛ لأنّ ذاته تعالى لا تتصوّرها العقول . ثم قال : «وتشهد له المرائى لا بمُحاضرة» ، المرائي : جمع مرئيّ ، وهو الشيء المدرَك بالبَصر ، يقول : المرئيّات تشهدُ بوجود البارئ ؛ لأنّه لولا وجوده لما وُجدت ، ولو لم توجد لم تكن مرئيّات ، وهي شاهدة بوجوده لا كشهادتها بوجود