تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥١٢
٢٠٦ الأصْلُ:
اتَّقُوا اللّه َ تُقَاةَ مَنْ شَمَّرَ تَجْرِيداً ، وَجَدَّ تَشْمِيراً ، وَأكمَشَ فِي مَهَلٍ ، وَبَادَرَ عَنْ وَجَلٍ ، وَنَظَرَ فِي كَرَّةِ الْمَوْئِلِ ، وَعَاقِبَةِ الْمَصْدَرِ ، وَمَغَبَّةِ الْمَرْجِعِ [١] . الشّرْحُ:
لو قال «وجرّد تشميراً» لكان قد أتى بنوع مشهور من أنواع البديع ؛ لكنّه لم يحفِل بذلك ، وجرى على مقتضى طبعه مِن البلاغة الخالية من التكلّف والتصنّع ، على أن ذلك قد روي ، والمشهور الرواية الأُولى . وأكمش : جدّ وأسرع ، ورجل كميش ، أي جادّ . وفي مَهَل ، أي في مهلة العمر قبل أن يضيق عليه وقتُه بدنوّ الأجَل . ٢٠٧
الأصْلُ: الْجُودُ حَارِسُ الْأَعْرَاض ، وَالْحِلْمُ فِدَامُ السَّفِيهِ ، وَالْعَفْوُ زَكَاةُ الظَّفَرِ ، وَالسُّلُوُّ عِوَضُكَ مِمَّنْ غَدَرَ ، وَالاِْسْتِشَارَةُ عَيْنُ الْهِدَايَةِ . وَقَد خَاطَرَ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ ، وَالصَّبْرُ يُنَاضِلُ الْحِدْثَانَ ، وَالْجَزَعُ مِنْ أَعْوَانِ الزَّمَانِ ، وَأَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى .وَكَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ عند هَوَى أَمِيرٍ! وَمِنَ التَّوْفِيقِ حِفْظُ التَّجْرِبَةِ ، وَالْمَوَدَّةُ قَرَابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ . وَلاَ تَأْمَنَنَّ مَلُولاً .
[١] الوجل : الخوف . الموئل : مستقرّ السير والمقرّ الأخير ، يريد به ـ هنا ـ ما ينتهي إليه الإنسان من سعادة وشقاء . وكرّته : حملته وإقباله . مغبة : العاقبة وما يناله جزاءً لعمله .