تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٣٢
مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ منكم» [١] . «وماهي بالهُوَينَى الّتي ترجو» الهُوَينَى تصغير «الهونى» التي هي أُنثى «أَهْوَن» ، أي ليست هذه الداهية والجائحة الّتي أذكُرها لك بالشيء الهيّن التي ترجو اندفاعَه وسهولتَه . ثم قال : بل هي الداهيَة الكبرى ستفعل لا مَحالة إن استمررتَ على ما أنت عليه ، وكنَى عن قوله : «ستفعل لا محالة» بقوله : «يركب جملها» وما بعده ، وذلك لأنّها إذا ركب جملُها ، وذلّل صعبُها وسهل وعَرُها فقد فعلت ، أي لا تقل : هذا أمرٌ عظيم صعبُ المرام ، أي قصد الجيوش من كلا الجانِبَين الكوفة ، فإنه إن دام الأمرُ على ما أشرتَ إلى أهل الكوفة من التخاذُل والجلوس في البيوت ، وقولك لهم : «كن عند اللّه المقتول» لنقعنّ بموجب ما ذكرته لك ، وليرتكبنّ أهل الحجاز وأهل البصرة هذا الأمرَ المستصعب ؛ لأنّا نحن نطلب أن نَملك الكوفة ، وأهلُ البصرة كذلك ، فيجتمع عليها الفريقان . ثم عاد إلى أمره بالخروج إليه فقال له : «فاعقِل عَقْلك ، واملِك أمرَك ، وخذ نصيبَك وحَظّك» ، أي من الطاعة ، واتّباع الإمام الّذي لِزمْتك بيعته ، فإن كرهتَ ذلك ، فتنحّ عن العمل فقد عزلتُك . وابعُد عنّا لا في رحْبٍ ، أي لا في سَعَة ، وهذا ضدّ قولهم : مَرْحبا . ثم قال : فجديرٌ أن تُكفى ما كُلّفته من حضور الحَرْب وأنت نائم ، أي لست معدودا عندنا ولا عندَ الناس من الرّجال الّذين تَفتقر الحروب والتّدبيرات إليهم ، فسيُغني اللّه ُ عنك ولا يقال : أين فلان ؟ ثم أقسَم أنّه لحقّ ، أي أنّي في حرب هؤلاء لَعَلَى حقّ ، وإن من أطاعني مع إمام مُحِقّ ليس يُبالي ما صنَع الملحدون ، وهذا إشارةٌ إلى قولِ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم : «اللهمّ أدِرِ الحقّ معه حيثما دارَ» .
٦٤
الأصْلُ:
.ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية جواباً عن كتاب أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنَ الاُلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ ، فَفَرَّقَ بيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
[١] الخيس : معرّس الأسد .[٢] الغيل : الشجر الكثير الملتف .[٣] سورة الأحزاب ١٠ .