تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٩٣
.ومن خطبة له عليه السلام عَلَى نِعَمِهِ التُّؤَامِ ، وَآلاَئِهِ الْعِظَامِ ؛ الَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا ، وَعَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى ، وَعَلِمَ بمَا يَمْضِي وَمَا مَضَى ، مُبْتَدِعِ الْخَلاَئِقِ بِعِلْمِهِ ، وَمُنْشِئِهِمْ بِحُكْمِهِ ، بِلاَ اقْتِدَاءٍ وَلاَ تَعْلِيمٍ ، وَلاَ احْتِذَاءٍ لِمِثَالِ صَانِعٍ حَكِيمٍ ، وَلاَ إِصَابَةِ خَطَأٍ ، وَلاَ حَضْرَةِ مَلَأٍ . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، ابْتَعَثَهُ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ ، وَيَمُوجُونَ فِي حَيْرَةٍ ، قَدْ قَادَتْهُمْ أَزِمَّةُ الْحَيْنِ ، وَاسْتَغَلَقَتْ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ الرَّيْنِ . عِبَادَ اللّهِ ! أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللّهِ فَإِنَّهَا حَقُّ اللّهِ عَلَيْكُمْ ، وَالْمُوجِبَةُ عَلَى اللّهِ حَقَّكُمْ ، وَأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللّهِ ، وَتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللّهِ ؛ فَإِنَّ الْتَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ وَالْجُنَّةُ ، وَفِي غَدٍ الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ . مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ ، وَسَالِكُهَا رَابِحٌ ، وَمُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ . لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى الْأُمَمِ الْمَاضِينَ مِنْكُمْ ، وَالْغَابِرِينَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً ، إِذَا أَعَادَ اللّهُ مَا أَبْدَى ، وَأَخَذَ مَا أَعْطَى ، وَسَأَلَ عَمَّا أَسْدَى ، فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَاَ ، وَحَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا ! أُولئِكَ الْأَقَلُّونَ عَدَداً ، وَهُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللّهِ سْبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ : «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ» [١] . فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا ، وَأَلِظُّوا بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا ، وَاعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً ، وَمِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً . أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ ، واقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ ، وَأَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ ، وَارْحَضُوا بِهَا ذُنُوبَكُمْ ، وَدَاوُوا بِهَا الْأَسْقَامَ ، وَبَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ ، وَاعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا ، وَلاَ يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا . أَلاَ فَصُونُوهَا وَتَصَوَّنُوا بِهَا ، وَكُونُوا عَنِ الدُّنْيَا نُزَّاهاً ، وَإِلَى الاْخِرَةِ وُلاَّهاً ، وَلاَ تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى ، وَلاَ تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا ، وَلاَ تَشِيمُوا بَارِقَهَا ، وَلاَ تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا ، وَلاَ تُجِيبُوا نَاعِقَهَا ، وَلاَ تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا ، وَلاَ تُفْتَنُوا بِأَعْلاَقِهَا ، فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ ، وَنُطْقَهَا كَاذِبٌ ، وَأَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ ، وَأَعْلاَقَهَا مَسْلُوبَةٌ . أَلاَ وَهِيَ الْمُتَصَدِّيَةُ الْعَنُونُ ، وَالْجَامِحَةُ الْحَرُونُ ، وَالْمَائِنَةُ الْخَؤُونُ ، وَالْجَحُودُ
[١] سورة سبأ ١٣ .[٢] سورة الدخان ٢٩ .