تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٠٢
المنظر الحسن . والعَرْف : الريح الطيبة . والخُيلاء ، بضم الخاء وكسرها : الكِبْر ، وكذلك الخالُ والمخيلة ، تقول : اختال الرجل وخال أيضا ، أي تكبّر . وأحبط عمله : أبطل ثوابه ، وقد حبط العمل حَبْطاً بالتسكين وحُبوطاً . والمتكلّمون يسمُّون إبطال الثواب إحباطاً ، وإبطال العقاب تكفيرا . وجَهْده بفتح الجيم : اجتهاده وجِدّه ، ووصفه بقوله : «الجَهِيد» أي المستقصى ، من قولهم : مرعى جَهِيد ، أي قد جَهده المال الراعي واستقصى رَعْيه . وكلامه عليه السلام يدلّ على أنّه كان يذهب إلى أنّ إبليس من الملائكة لقوله : «أخرج منها مَلكاً» . والهوادة : الموادعة والمصالحة ، يقول : إن اللّه تعالى خلق آدم من طين ، ولو شاء أن يخلقه من النور الذي يخطف أو من الطيب الذي يعبق لَفَعل ، ولو فعل لهال الملائكة أمرُه وخضعوا له ، فصار الابتلاء والامتحان والتكليف بالسّجود له خفيفاً عليهم ، لعظمته في نفوسهم ، فلم يستحقُّوا ثواب العمل الشاقّ ، وهذا يدلُّ على أنّ الملائكة تشمّ الرائحة كما نشمّها نحن ، ولكنّ اللّه تعالى يبتلي عباده بأُمور يجهلون أصلها اختبارا لهم . فإن قلت : ما معنى قوله عليه السلام : «تمييزا بالاختبار لهم» . قلت : لأنّه ميّزهم عن غيرهم من مخلوقاته ، كالحيوانات العُجْم ، وأبانهم عنهم ، وفَضّلهم عليهم بالتّكليف والامتحان . قال : «ونفياً للاستكبار عنهم» ؛ لأنّ العبادات خضوع وخشوع وذلّة ، ففيها نفي الخُيَلاء والتكبّر عن فاعليها ، فأمرهم بالاعتبار بحال إبليس الذي عَبَد اللّه ستة آلاف سنَة ؛ لا يُدْرَى أمِنْ سِنِي الدنيا أم من سني الآخرة ! وهذا يدلّ على أنه قد سمع فيه نصّا من رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلممجملاً لم يفسّره له ، أو فسَّره له خاصة ، ولم يفسّره أميرُ المؤمنين عليه السلام للناس لما يعلمه في كتمانه عنهم من المصلحة . فإن قلت : قوله : «لا يُدْرَى» على ما لم يسمّ فاعله يقتضي أنه هو لا يدرِي! قلت : إنه لا يقتضي ذلك ، ويكفي في صدق الخبر إذا ورد بهذه الصيغة أن يجهله الأكثرون . واعلم أنّ كلام أمير المؤمنين في هذا الفصل يطابقُ مذهبَ أصحابنا في أنّ الجنّة لا يدخلها ذو معصية ، ألا تسمع قوله : «فمن بَعْد إبليس يسلم على اللّه بمثل معصيته ! كَلاّ ، ما كان اللّه ليُدخِل الجنة بشراً بأمر أخرج به منها ملَكاً ، إنّ حكمه في أهل السماء والأرض لواحد» .