تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٢٨
. الْفُجُورِ ، وَالْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ ، وَرُبَّ سَاعٍ فِيَما يَضُرُّهُ ! مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ ، وَمَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ . قَارِنْ أهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ ، وَبَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ . بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ ! وَظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ . إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً كَانَ الْخُرْقُ رِفْقاً . رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً ، وَالدَّاءُ دَوَاءً . وَرُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ ، وَغَشَّ الْمُسْتَنْصَحُ . وَإِيَّاكَ وَالاِتِّكَالَ عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى ، وَالْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ ، وَخَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ . بَادِرِ الْفُرْصَةَ ، قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً . لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ ، وَلاَ كُلُّ غَائِبٍ يَؤُبُ ، وَمِنَ الْفَسَادِ ، إِضَاعَةُ الزَّادِ ، وَمَفْسَدَةُ الْمَعَادِ . وَلِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةٌ ، سَوْفَ يَاْتِيكَ مَا قُدِّرَ لَكَ . التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ ، وَرُبَّ يَسِيرٍ ، أَنْمَى مِنْ كَثِيرٍ!
الشّرْحُ:
هذا الكلام قد اشتمل على أمثال كثيرة حكميّة : أوّلها ـ قوله : «تلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك» ، وهذا مثل قولهم : أنت قادر على أن تجعل صمتك كلاما ، ولستَ بقادر على أن تجعل كلامك صمتاً ؛ وهذا حقّ ؛ لأنّ الكلام يُسمع وينقل ؛ فلا يستطاع إعادته صمتاً ، والصمت عدم الكلام ، فالقادر على الكلام ، قادر على أن يبدّله بالكلام ، وليس الصمت بمنقول ولا مسموع فيُتعذَّر استدراكه . وثانيها ـ قوله : «حفظ ما في يَدَيْك أحبّ إليّ من طلب ما في يدي غيرك» ، هذا مثل قولهم في المثل : البخل خير من سؤال البخيل . وليس مراد أمير المؤمنين عليه السلام وصايته بالإمساك والبخل ، بل نهيه عن التفريط والتبذير ، قال اللّه تعالى «وَلاَ تبْسُطْهَا كلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوما مَحْسُورا» [١] . وثالثها ـ قوله : «مرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس» من هذا أخذ الشاعر قوله :
[١] سورة الإسراء ٢٩ .[٢] سورة النساء ١٠ .[٣] ديوانه ١٣ .[٤] سورة التوبة ١٠٢ .