تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٠٦
.ومن وصية له عليه السلام للحسن بن علي عليهماالسلام وَأَسِيرِ الْمَوْتِ ، وَحَلِيفِ الْهُمُومِ ، وَقَرِينِ الْأَحْزَانِ ، وَنُصُبِ الآفَاتِ ، وَصَرِيعِ الشَّهَوَاتِ ، وَخَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ.
الشّرْحُ:
أمّا قوله : «كتبها إليه بحاضرين» ، فالذي كُنا نقرؤه قديما : «كتبها إليه بالحاضرَيْن» على صيغة التثنية ؛ يعني حاضر حلب وحاضر قِنّسرِين ، وهي الأرباض والضواحي المحيطة بهذه البلاد . ثم قرأناه بعد ذلك على جماعة من الشيوخ بغير لامٍ ، ولم يفسّروه ، ومنهم من يذكره بصيغة الجمع لا بصيغة التثنية ، ومنهم من يقول بخناصرين ، يظنونه تثنية خناصرة أو جمعها ، وقد طلبتُ هذه الكلمة في الكتب المصنفة ، سيّما في البلاد والأرضين فلم أجدها ، ولعَلّي أظفر بها فيما بعد فألحقها في هذا الموضع . قوله : «من الوالد الفان» ، حذف الياء هاهنا للازدواج بين «الفان» و « الزمان» ، ولأنّهُ وقف ، وفي الوقف على المنقوص يجوز مع اللام حذف الياء وإثباتها ، والإثبات هو الوجه ، ومع عدم اللام يجوز الأمران وإسقاط الياء هو الوجه . قوله : «المقرّ للزمان» ، أي المقرّ له بالغلبة ، كأنه جعل نفسه فيما مضى خصما للزمان بالقهر . قوله : «المدبر العمر» ؛ لأنّه كان قد جاوز الستين ، ولم يبق بعد مجاوزة الستين إلاّ إدبار العمر ؛ لأنّها نصف العمر الطبيعي الذي قلّ أن يبلغه أحدٌ ، فعلى تقدير أنه يبلغه ، فكلّ ما بعد الستين أقلّ مما مضى ، فلا جرم يكون العمر قد أدبر . «المستسلم للدّهر» ، هذا آكد من قوله : «المقرّ للزّمان» ؛ لأنّه قد يقرّ الإنسان لخصمه ولا يستسلم . «الذام للدّنيا» ، هذا وصف لم يستحدثه عند الكِبر ، بل لم يزل عليه ، ولكن يجوز أن يزيد ذمّه لها ؛ لأنّ الشيخ تنقص قواه التي يستعين بها على الدنيا والدين جميعا ، ولا يزال يتأفّف من الدنيا . قوله : «الساكن مساكن الموتى» ، إشعار بأنه سيموت ، وهذا من قوله تعالى : «وَسَكَنتُمْ فِي مَساكِنِ الّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ» [١] . قوله : «الظاعن عنها غدا» ، لا يريد الغدَ بعينه ، بل يريد قُرْب الرّحيل والظَّعْن . وهذا الكلام من أمير المؤمنين عليه السلام كلام مَنْ قد أيقن بالفراق ، ولا ريب في ظهور الاستكانة والخضوع عليه ، ويدل أيضا على كرب وضيق عَطَنٍ ؛ لكونه لم يبلغ أربه من حرْب أهل الشام ، وانعكس ما قدّره بتخاذل أصحابه عنه ، ونفوذ حكم عمرو بن العاص فيه لحمق أبي
[١] سورة ابراهيم ٤٥ .