تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١١٦
. الْقَاتِلَةِ ، فَمَا تُكْدِي أَبَداً ، وَلاَ تُشْوِي أَحَداً ، لاَ عَالِماً لِعِلْمِهِ ، وَلاَ مُقِلاًّ فِي طِمْرِهِ . وَعَنْ ذلِكَ مَا حَرَسَ اللّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الْأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ ، تسْكِيناً لَأَطْرَافِهِمْ ، وَتَخْشِيعاً لِأَبْصَارِهِمْ ، وَتَذْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ ، وَتَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ ، وَإِذْهَاباً لِلْخُيَلاَءِ عَنْهُمْ ، وَلِمَا فِي ذلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً ، وَالْتِصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالْأَرْضِ تَصَاغُراً ، وَلُحُوقِ الْبُطُونِ بِالمُتونِ مِنَ الصِّيَامِ تَذَلُّلاً ؛ مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ . انْظُرُوا إِلَى مَا فِي هذِهِ الْأَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الْفَخْرِ ، وَقَدْعِ طَوَالِعِ الْكِبْرِ !
الشّرْحُ:
بلدة وخِمة ووخيمة : بيّنة الوخامة ، أي وبيئة . مصْيَدَة إبليس ، بسكون الصاد وفتح الياء : آلته الّتي يصطاد بها . وتُساور قلوب الرجال : تواثُبها ، وسار إليه يَسُور ، أي وثب ، والمصدَر السَّوْر ، ومصدر «تَسَاور» المساورة ، ويقال : إنّ لغضبه سَوْرة ، وهو سَوّار ، أيْ وثّاب معربد ، وسَوْرة الشراب : وثوبه في الرأس ، وكذلك مساورة السموم التي ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام . وما تكدِي : ما تردّ عن تأْثيرها ، من قولك : أكدى حافر الفرس ، إذا بلغ الكُدْية وهي الأرض الصُّلْبة ، فلا يمكنه أنْ يحفر . ولا تُشوِي أحدا : لا تخطئ المَقْتل وتصيب غيره ؛ وهو الشَّوَى ، والشوى : الأطراد ، كاليد والرجل . قال : لا تردّ مكيدته عن أحد لا عن عالم لأجل علمه ، ولا عن فقير لطمره ، والطّمْر : الثوب الخَلق . و «ما» في قوله : «وعن ذلك ما حرس اللّه » زائدة مؤكدة ، أي عن هذا المكايد الّتي هي البغْي والظّلم والكِبر حَرَس اللّه عباده ، فـ «عن» متعلقة بـ « حرس» . ثم بيّن عليه السلام الحكمة في العبادات ، فقال : إنه تعالى حَرَس عباده بالصلوات التي افترضها عليهم من تلك المكايد ، وكذلك بالزكاة والصَّوم ليسكِّن أطرافهم ، ويخشّع أبصارهم ، فجعل التسكين والتخشيع عذرا وعلّة للحراسة ، ونصب اللفظات على أنّها مفعول له . ثم علل السكُون والخشوع الذي هو علّة الحراسة لما في الصلاة من تعفير الوجه على التراب ، فصار ذلك علّة العلة . قال : وذلك لأنّ تعفير عتاق الوجوه بالتراب تواضعا يوجب هَضْم النفس